الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


9 . هدى: شرفاتُ الانتظارِ المفتوحة.

سعاد الراعي
كاتبة وناقدة

(Suad Alraee)

2026 / 5 / 15
الادب والفن


لعلّ الوقت قد حان الآن ـ بفضل ملاحظة صلاح اللطيفة ـ ليتعرّف القارئُ على هدى، تلك المرأة التي تظهر كل صباح بين الوجوه الملتقية في حديقة المحلّة.. الوجوه التي تتشاطر القلق ذاته والرجاء ذاته في زمنٍ صار فيه كل يومٍ اختبارًا جديدًا لصلابة الروح وعمق الصبر.
لم تكن هدى يوماً امرأةً استثنائية في نظر الآخرين، بل كانت واحدةً من تلك النسوة اللواتي ساقتهنّ الأقدار عبر دروبٍ لم يخترنها بمحض إرادتهنّ، ثم وجدن أنفسهنّ مضطراتٍ للسير فيها حتى النهاية بوقارٍ يغالب الكسر.
غير أن لكل إنسانٍ حكايته.. تلك الحكاية التي تشبه خيطًا خفيًا من حرير الشجن، يربطُ بين ما كان وما صار، بين ما ضاع وما لا يزال يسكنُ حيز المرجوّ والمأمول.
بدأت حكايتها في أواخر ثمانينيات القرن الماضي؛ حين كانت مقاعد الجامعة تحتضن الشباب كما تضمّ الأم أبناءها في لحظةٍ قصيرة من الطمأنينة المغدورة، قبل أن تقذف بهم الحياة إلى لجج عواصفها العاتية.
هناك، بين أروقة المكتبات ورائحة الورق القديم، التقت بـ علي.
لم يكن علي أكثر الطلاب وسامةً، ولا أكثرهم صخبًا، لكنه كان يمتلك مهابةً هادئة ورزانةً فطرية لا تُستعار بالمظاهر.
كان في عينيه صدقٌ صلب يريح المتعبين، وفي كلماته وضوحٌ لا يعرف المساومة أو التجميل؛ يتحدث عن الحرية كأنّها هواءٌ لا يستقيم الشهيق بدونه، وعن الكرامة كأنّها الجذر الوحيد الذي يحمي الشجرة من السقوط.
انجذبت هدى إليه منذ الأيام الأولى، لا لشيءٍ مادي، بل لتلك الأخلاق التي بدت لها آنذاك أشبه بنخلةٍ وحيدة تصمد في صحراء الخوف والتردد.
كان متمسكًا بمبادئه بعنادٍ يشبه عناد ضوء الشمس حين يصرّ على التسلل من شقوق الجدران الصمّاء.
لم يكن طريقه ممهدًا بالرياحين؛ فقد تعرّض خلال سنوات دراسته لاعتقالاتٍ متكررة على يد سلطةٍ لم تكن ترى في الصوت المختلف إلا خطرًا يستوجب الإسكات.
كانت وزملاءها يرقبون غيابه بقلوبٍ واجفة، ثم يعود بعد أسابيع أو أشهر بوجهٍ شاحب أثقله التعب والكدمات، لكن بعينين أكثر اشتعالًا وأكثر صلابة.
سألته ذات مرةٍ والرجفةُ تسكن صوتها:
"ألا تخاف يا علي؟"
فابتسم ابتسامته تلك التي تشبه هدوء النهر وقال:
"الخوف يا هدى لا يمنع الأقدار من الوقوع.. لكنه يمنعنا من أن نكون البشر الذين يجب أن نكونهم".
حين تخرجا، لم يكن قرار ارتباطهما يسيرًا؛ فقد وقف أهلها موقف المعارض القلق. كانوا يحبون شجاعته، لكنهم يرتعدون من تبعاتها.
قال لها أبوها يومًا بلهجةٍ غلفها العطف والمرارة:
"يا ابنَتي، أنتِ تربطين حياتكِ برجلٍ يعشقُ الوقوف في وجه الريح، ومستقبله غيمةٌ لا مطر لها.. إنكِ تربطين مصيركِ بحبلٍ قد يتحول في أي لحظة إلى مشنقة".
كانت تفهم هواجسه، لكن قلبها كان قد اتخذ قراره، فربطت شراعها بسفينته رغم تلاطم الأمواج وعلو مكابدتها.
تزوجا في النهاية، وفي أعماقها شعورٌ غامض بأن الحياة التي تنتظرهما لن تكون هادئةً كما في الروايات الحالمة.
لم يطل الوقت حتى استيقظت المخاوف؛ إذ تزامن زواجهما مع الإرهاصات الأولى للانتفاضة الكبرى في التسعينيات. كانت البلاد تغلي تحت مرجلٍ من الصمت الثقيل، وحين انطلقت الشرارة، خرج الناس إلى الشوارع كمن يفتح صدره للهواء بعد دهرٍ من الاختناق.
كان علي في طليعة المندفعين، يخرج من البيت بعينين مضيئتين ببريق الأمل، بينما يلتفُّ حول قلب هدى خيطٌ من الذعر لا ينقطع.
لم تدم الانتفاضة طويلًا.. فقد أجهضتها السلطة بعنفٍ وحشي، واعتُقل الكثيرون، واختفى آخرون في ثقوب الأرض السوداء.
وفي أحد تلك الأيام العجاف، خرج علي كعادته.. لكنه لم يعد.
انتظرته في المساء، ثم في الفجر، ثم في الأيام التي تلت، حتى تآكلت روحها من الانتظار.
سألت الرفاق، وطرقت أبوابًا موصدة، لكن الأخبار كانت دائمًا شظايا متناقضة؛ قيل إنه:
اعتُقل في الساحة...
قيل إنهم رأوه يُقتاد معصوب العينين إلى جهةٍ مجهولة...
قيل، وقيل.. ثم..
انقطع كل خيط، وغرق اسمه في لجّة الصمت.
مرّت السنوات، وبقي اسمه معلقًا بين البرزخين.
وحين سقط النظام بعد عقدٍ، ظنت هدى أن القبور ستتكلم وأن الزنازين ستعيد أماناتها.
بحثت في مكاتب المفقودين، لكن اسم علي بقي مجرد قيدٍ بارد في قوائم المفقودين.
كانت كلمة "مفقود" بالنسبة لها هاويةً من الأسئلة، ومع ذلك، لم تفقد الأمل؛ ففي ليالٍ كثيرة، كانت تراه في أحلامها يفتح باب البيت بذات الخفة القديمة، فتستقبله بصرخةٍ تمزج بين البكاء واليقين. لهذا السبب، ظلّ باب البيت في قلبها، وفي الواقع، مواربًا ينتظر وقع خطاه.
بقيت هدى وابنتها ياسمين؛ الطفلة التي كانت في شهرها الأول حين اختطف الغياب أباها.
كبرت ياسمين في البيت الواسع الذي أهداه لهما عمها "أبو علي"؛ ذلك البيت الذي رتّبا كل ركنٍ فيه لينضجا فيه معًا.
بعد غيابه، صار البيت مزرًا للذكريات؛ مكتبته، كرسيه الهزاز، وفنجان قهوته الذي لا يزال في مكانه منذ رحيله الأخير، كأنها تخشى أن يمحو تحريكه ما تبقى من رائحته.
لكن الحياة قطارٌ لا يمنح ترف المحطات الطويلة؛ تفرغت هدى لتربية ياسمين، التي كانت تكبر لتصبح نسخةً أنثوية من أبيها.
مارست عملها في الصحيفة بحذر؛ تذهب في الصباح وتعود قبل عودة ابنتها من المدرسة، لتكمل الكتابة والتحرير بين جدران البيت. ولأن البيت كان كبيرًا، قررت تأجير الطابق العلوي لعائلتين من أصدقاءٍ قدامى، صاروا جزءًا من أمانها اليومي. هكذا، تحول البيت إلى عالمٍ صغير ينبض بالحياة..
في الأسفل سكينةُ الذكرى، وفي الأعلى ضجيجُ العائلات الذي يؤنس وحشتها. هكذا تعلمت هدى أن الحياة، حين تنتزع من المرء نصف حلمه، لا تترك له خيارًا سوى بناء ما تبقى بحجارة الأمل الصغيرة.
وجدت نفسها وسط هؤلاء الجيران الطيبين:
العم أبو عواد بوفائه..
الشيخ حسين بكرامته..
وسعيد المكوجي بطيبته..
صلاح الأعزب بتضحياته..
وجدعة الخبازة بعزيمتها.
صاروا جميعًا عائلةً كبرى، يتقاسمون الخبز والقلق والرجاء.
واليوم، مع زحف كارثة الخنافس نحو حصونهم الأخيرة، تشعر هدى أن حياتهم تقف مرةً أخرى على حافة امتحانٍ جديد. لكنها، كما كانت دائمًا، تتمسك بذات اليقين:
أن ما يُبنى بالصبر والمحبة، لا يمكن للكوارث أن تهدمه بسهولة.
وقررت أن تكتب قصتهم، ليس بصفتها صحفيةً فحسب، بل بصفتها حارسةً وفية لذاكرة علي ولأحلام هؤلاء البسطاء الذين لا يملكون سوى بيوتهم وقلوبهم العامرة بالحب.
**
تابع
ـــــــــــــــــــــــــ
*فصول من رواية قيد الانجاز








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كلمة أخيرة - الفنان أحمد جلال عبد القوي مات بنوع نادر من الس


.. هاني شنودة تنبأ لي إني هكون فنانة كبيرة.. الفنانة سيمون تحكي




.. غياب تام للمطربين فى جنازة الموسيقار هانى شنودة والشاعرة نور


.. لحظة تشييع جثمان الفنان أحمد عبد القوي وسط حالة من الحزن




.. انتظرواالمخرج أحمد خالد أمين في حلقة خاصة من برنامج #ON_Set