الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


فخ ثوسيديديس بين واشنطن وبكين.. حين يقترب التاريخ من إعادة تمثيل نفسه

احمد البهائي

2026 / 5 / 16
السياسة والعلاقات الدولية


ليس كل صعود اقتصادي مجرد قصة نجاح تنموي، وليس كل تنافس بين قوتين عظميين مجرد خلاف تجاري قابلًا للاحتواء عبر جولات تفاوض أو اتفاقات مرحلية. أحيانًا يكون ما يجري أمام العالم هو إعادة تشكل عميقة لبنية النظام الدولي، لحظة انتقال تاريخية يتداخل فيها الاقتصاد بالجغرافيا السياسية، ويتحول فيها الصراع من منافسة على الحصص إلى مواجهة على تعريف من يملك حق صياغة قواعد اللعبة نفسها. هذا هو السياق الذي يجعل مفهوم Thucydides Trap حاضرًا بقوة في قراءة العلاقة بين United States وChina، لا بوصفه نبوءة حتمية، بل بوصفه تحذيرًا استراتيجيًا من أن التاريخ حين يختل فيه ميزان القوة يصبح أكثر ميلًا إلى إنتاج الصدام مما يتصور الساسة.
حين استعاد Graham Allison هذا المفهوم، لم يكن يقصد أن الحرب قدر محتوم بين الصين وأمريكا، بل كان يشير إلى حقيقة أكثر تعقيدًا وخطورة: أن صعود قوة جديدة يزرع في وعي القوة المهيمنة شعورًا متزايدًا بالقلق، وهذا القلق لا يحتاج إلى نية عدوانية كي يتحول إلى توتر بنيوي. يكفي أن ترى القوة القائمة أن استمرار صعود منافسها سيجعل احتواءه مستحيلًا في المستقبل، حتى يبدأ التفكير في كبحه قبل فوات الأوان. وهنا يبدأ الفخ في التشكل.
في هذا المشهد تبدو الصين هي "أثينا" الحديثة بالمعنى الثوسيديدي الكلاسيكي. لقد انتقلت خلال عقود قليلة من هامش الاقتصاد العالمي إلى مركزه، وتحولت من مصنع منخفض الكلفة إلى لاعب ينازع على التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والنفوذ المالي وسلاسل التوريد. لم يعد صعود بكين مجرد زيادة في الناتج المحلي أو طفرة تصديرية عابرة، بل أصبح مشروعًا متكاملًا لإعادة تموضعها كقوة كبرى قادرة على التأثير في بنية النظام العالمي نفسه.
هذا الصعود لم يكن ارتجاليًا، ولم تتعامل معه الصين باعتباره مفاجأة تاريخية. أدركت بكين منذ وقت مبكر أن أي قوة صاعدة بهذا الحجم ستواجه مقاومة من القوة المهيمنة، ولذلك تصرفت كما لو أن احتمال الوقوع في الفخ قائم بالفعل. استثمرت في الاكتفاء التكنولوجي عبر مبادرة Made in China 2025، ووسعت عمقها الاقتصادي والجيوسياسي عبر Belt and Road Initiative، وطورت قدراتها العسكرية والردعية، خصوصًا في محيط Taiwan Strait، وبنت استراتيجيتها على الصبر الطويل بدل الحسم السريع. الصين لم تستعد فقط لصعودها، بل استعدت أيضًا لرد الفعل الأميركي عليه.
لكن المفارقة أن الاستعداد للفخ قد يسرّع الوقوع فيه. حين تعزز بكين قدراتها التقنية والعسكرية لتأمين نفسها، ترى واشنطن في ذلك دليلًا إضافيًا على وجود مشروع صيني لإزاحتها عن موقع القيادة. فترد بسياسات احتواء تشمل القيود على الرقائق الإلكترونية والعقوبات التقنية ومحاولات إعادة تشكيل سلاسل الإمداد بعيدًا عن الصين. فتقرأ بكين هذه الإجراءات باعتبارها تأكيدًا على أن واشنطن تسعى لخنقها قبل اكتمال صعودها. وهكذا يدخل الطرفان في حلقة تغذية متبادلة، حيث يصبح كل إجراء دفاعي من طرف دليلًا هجوميًا في نظر الطرف الآخر.
لقد تجاوزت العلاقة الأمريكية الصينية بالفعل مرحلة التنافس التقليدي، ودخلت طور الاحتواء البنيوي المتبادل، وهو الطور الذي يسبق تاريخيًا لحظات الاختبار الحاد. لم يعد الأمر مجرد تنافس اقتصادي أو نزاع تجاري قابلًا للاحتواء عبر التفاوض، بل أصبح صراعًا على الزمن نفسه: من يفرض توقيت المواجهة، ومن يملك القدرة على إعادة تشكيل البيئة الدولية قبل لحظة الحسم.
هنا يظهر الدور الحاسم للاقتصاد. المفترض نظريًا أن التشابك الاقتصادي الهائل بين البلدين يشكل صمام أمان يمنع الانزلاق نحو الصدام، لكن الواقع يكشف أن الاقتصاد نفسه يتحول تدريجيًا إلى ميدان المواجهة الأساسي. الرقائق الإلكترونية، الذكاء الاصطناعي، المعادن النادرة، سلاسل الإمداد، العقوبات، وقيود الاستثمار، كلها أدوات صراع لا تقل تأثيرًا عن الأسلحة التقليدية. القرن الحادي والعشرون قد يثبت أن الحروب الكبرى لا تبدأ بصاروخ، بل بقرار اقتصادي مكتوب بلغة بيروقراطية جافة، قبل أن يكتشف العالم لاحقًا أن ذلك القرار كان الشرارة الأولى.
غير أن المشكلة ليست في التنافس الاقتصادي ذاته، بل في وجود نقطة تماس جيوسياسي قابلة للتحول إلى اختبار سيادي مباشر، وتمثل Taiwan هنا أخطر مفصل في المشهد. فهي ليست ملفًا تفاوضيًا بالنسبة لبكين، بل جزء من اكتمال مشروعها القومي، وليست مجرد جزيرة بالنسبة لواشنطن، بل اختبار مباشر لمصداقية الردع الأمريكي في آسيا. ولهذا فإن أي خطأ في الحسابات حول تايوان قد يحول التوتر البنيوي إلى مواجهة صريحة تتجاوز حدود الإقليم.
والأخطر أن العالم لم يعد يشهد تنافسًا ثنائيًا مجردًا، بل تشكلًا متزايدًا لمحاور واستقطابات جديدة. التمدد الصيني، التقارب مع Russia، صعود أطر مثل BRICS، في مقابل تحالفات واشنطن في المحيطين الهندي والهادئ، كلها مؤشرات على إعادة رسم خرائط النفوذ العالمي. ومع كل اصطفاف جديد، تتقلص المساحات الرمادية وتزداد احتمالات أن تتحول الأزمات الموضعية إلى اختبارات شاملة للهيبة والردع.
ومع ذلك، فإن الحديث عن حتمية الحرب يبقى قراءة متسرعة. هناك عناصر ردع قوية ما زالت تؤجل لحظة الانفجار، من بينها التشابك الاقتصادي الذي لم ينكسر بالكامل، والردع النووي، والإدراك المتبادل لحجم الكارثة التي قد تنتج عن مواجهة مباشرة. لهذا فإن المشهد الأدق ليس أننا على أعتاب الحرب، بل أننا داخل ممرها البنيوي، حيث يصبح كل قرار تكتيكي صغير قادرًا على تسريع الوصول إلى لحظة الاختبار.
وهنا تتضح المفارقة الاستراتيجية الكبرى: تفوق الصين استراتيجيًا مشروط بالزمن، بينما تفوق أمريكا تكتيكيًا قائم على استعجال لحظة الاختبار. فبكين تملك الكتلة الصناعية، والنفس الطويل، والمركزية السياسية، والقدرة على امتصاص الكلفة، لكنها تحتاج إلى الوقت لتحويل هذه المقومات إلى تفوق شامل. في المقابل، تمتلك واشنطن شبكة التحالفات، والتفوق العسكري، والهيمنة المالية، والقدرة على فرض اختبارات مبكرة قد تربك المسار الصيني قبل اكتماله.
السؤال الجوهري لم يعد ما إذا كانت الصين تصعد، فهذا واقع محسوم، ولا ما إذا كانت أمريكا قلقة، فهذا ظاهر في كل سياساتها. السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت بكين ستنجح في تحويل صبرها الاستراتيجي إلى تفوق فعلي قبل أن تفرض واشنطن لحظة اختبار مبكر، وما إذا كانت واشنطن قادرة على إدارة قلقها من الصعود الصيني دون أن يتحول هذا القلق إلى سلوك يدفعها هي نفسها إلى إنتاج الصدام الذي تخشاه.
هنا تكمن خطورة اللحظة التاريخية. فخ ثوسيديديس لا يصنعه طرف شرير وآخر بريء، ولا يولده قرار واعٍ بإشعال الحرب. إنه يتشكل حين يتراكم الخوف وسوء التقدير وسوء قراءة النوايا حتى يصبح الانزلاق نتيجة طبيعية لبنية التنافس نفسها. وإذا كان التاريخ يعلمنا شيئًا، فهو أن القوى الكبرى غالبًا ما تدرك الفخ نظريًا، ثم تمضي نحوه بثقة بيروقراطية مدهشة، وكأن قراءة كتب التاريخ كانت مجرد نشاط ثقافي أنيق لا أكثر.
العالم اليوم لا يقف أمام سؤال من سيربح الصراع بين واشنطن وبكين، بل أمام سؤال أكثر خطورة: هل تملك القوتان من الحكمة ما يكفي لكسر منطق التاريخ قبل أن يعيد تمثيل نفسه بصورة أكثر كلفة ووحشية؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كان القرن الحادي والعشرون سيكون قرن إعادة التوازن العالمي، أم قرن الانفجار الكبير الذي يبدأ اقتصاديًا وينتهي جيوسياسيًا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. القيادة المركزية الأمريكية تعلن انتهاء جولة ثامن أيام الضربا


.. باحث في السياسات الأمنية للجزيرة: أمريكا تستعد لغزو بري فعلي




.. العلاقات الأفغانية الباكستانية عالقة في دائرة لا تنتهي.. فلم


.. عضو كونغرس سابق: استهداف قاعدة الأردن مبرر لتصعيد أمريكي يحر




.. نشرة إخبارية | بعد مقتل جنودها.. أميركا تفتح النار على الحرس