الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


هل يوجد مفهوم للسحر؟

عزالدين محمد ابوبكر

2026 / 5 / 17
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات


تظل إشكالية تحديد المفاهيم الكبرى داخل الفضاء الأنثروبولوجي والمعرفي واحدة من أعقد المهام الفلسفية، خاصة حين يتداخل المفهوم مع مجالات تبدو متباينة كالاستدلال العلمي أو النزوع الديني البدائي؛ ويقدم الباحث اليمني محمد عطبوش في كتابه "الفكر السحري في الإسلام: جذور الدين والعلم" (ط2، بيروت: دار الرافدين، 2020) محاولة جادة لتفكيك هذه البنية المعقدة، متتبعاً الأصول المعرفية والتاريخية التي شكلت وعي الإنسان القديم وتعامله مع الطبيعة المحيطة به، مما يفتح الباب أمام قراءة تأويلية عميقة.

وتأخذنا الهرمينوطيقا الغاداميرية، نسبة إلى الفيلسوف الألماني هانز جورج غادامير (Hans-Georg Gadamer)، إلى ما وراء النصوص الظاهرة للبحث عن "أفق الفهم" المشترك بين الماضي والحاضر. وإن قراءة عطبوش للسحر لا تقف عند حدود رصد الخرافة، بل تسعى لفهم السحر بوصفه تجربة وجودية كاملة صاغ من خلالها الإنسان وعيه الأول بالعالم، وهذا الوعي يمثل منصة الانطلاق التاريخية التي تشكلت عليها لاحقاً الأنساق الدينية الكبرى والرؤى العلمية التجريبية، مما يجعل السحر مكوناً بنيوياً في التاريخ الإنساني.

يبدأ المؤلف بطرح تساؤل محوري وجوهري: "ماذا نقصد بالسحر؟" (عطبوش، 2020، ص 17). ومن الناحية الأنثروبولوجية، يرى أن السحر يتجاوز كونه مجرد أعمال غيبية، ليصبح مظلة تشمل ممارسات عديدة مثل الشعوذة، والكهانة، والعرافة، والرؤى. ويرى أن التمييز اللغوي بين هذه المصطلحات هو تنويع شكلي أكثر من كونه اختلافاً موضوعياً واضحاً؛ لذلك، يقترح دمجها جميعاً تحت مصطلح السحر، نظراً لوجود دافع مشترك يربط بينها ويتجاوز الفروق السطحية المعجمية.

وهذا الدافع المشترك يحدده عطبوش بما يُعرف بـ "التفكير السحري" (Magical thinking)، وهو مصطلح شامل لكل ممارسة يستخدم فيها الإنسان قدراته العقلية على نحو يسمح له باستنتاج علاقات ثابتة بين الظواهر، وإن السحر بهذا المعنى ليس غياباً كاملاً للعقل أو مجرد عبث عشوائي، بل هو محاولة عقلية مبكرة لتنظيم الطبيعة وفهم قوانينها؛ حيث يقوم الساحر باستدعاء لوازم العلاقات المفترضة كلما أراد بواسطة طقوس محددة ومنظمة بعناية فائقة.

يطرح هذا التعريف الواسع إشكالية هرمنيوطيقية تتعلق بحدود المفهوم نفسه؛ فإذا كان السحر هو استنتاج علاقات ثابتة، فإن الممارسات اليومية المعتادة قد تقع تحت طائلته، ويلاحظ عطبوش أن هذا التعريف يبدو متسعاً حتى أنه قد يشمل أفعالاً بشرية طبيعية وتلقائية تماماً مثل المشي أو جلب الماء (عطبوش، 2020، ص 17). فالإنسان يجرب مراراً وتكراراً أنه حين يشعر بالعطش يتوجه إلى مكان وجود الماء للإتيان به، فهل يمكن اعتبار هذا الفعل البسيط طقساً سحرياً؟

هنا يتدخل التحليل الأنطولوجي ليفكك ماهية الفعل السحري ويميّزه عن الفعل الطبيعي من خلال مفهوم "السببية المباشرة"؛ ويوضح عطبوش أن الفرق شاسع بين الإتيان بالماء من البئر وبين قرع الطبول لإنزال المطر؛ ففي الحالة الأولى، يدرك الإنسان وعيه بالسببية المباشرة تماماً، حيث يعلم أن توجهه للبئر هو الذي أحضر الماء مباشرة. أما في الممارسة السحرية، فإن الرابط السببي يختلف نوعياً؛ حيث يعتقد الفاعل في فاعلية خفية تتجاوز القوانين الميكانيكية المباشرة.

وإن ما يجعل الفعل سحرياً بالأساس هو "نظرة الإنسان للممارسة" ومدى إيمانه بقدرتها على التأثير الخفي والرمزي في الواقع المحيط، فالساحر يعلم أن قرع الطبول ليس له علاقة ميكانيكية مباشرة بنزول المطر، لكنه يراه شرطاً ضرورياً ومقدساً لتحقيق تأثير سحري يتجاوز الواقع المادي ليتصل بالقوى المحركة للكون. وبالتالي، فإن نظرة الإنسان الذاتية وقصديته الواعية حيال الممارسة هي التي تحدد إن كانت تمثل طقساً سحرياً أصيلاً أم مجرد فعل طبيعي ميكانيكي.

ويستشهد الباحث بنموذج مثالي لشرح اختلاط السحر بالعلم وتداخل السببيات، مستنداً إلى دراسات أنثروبولوجية حول قبائل بدائية كانت تتوجه إلى قمم الجبال في أوقات محددة من السنة لتقوم بطقس قرع الطبول تقليداً لصوت الرعد بهدف استمطار السماء (عطبوش، 2020، ص 18). للوهلة الأولى، قد يبدو هذا السلوك مجرد وهم وخرافة يرفضها العقل الحديث مباشرة دون تفكير، لكن التحليل المعمق يكشف عن ملاحظة تجريبية ذكية ومستترة خلف الوعي السحري.

فلقد لاحظ علماء الأنثروبولوجيا أن الأوقات التي تصعد فيها هذه القبائل للجبال تكون مواسم طبيعية غنية بالغيوم المشبعة بالرطوبة والمتهيئة للمطر، وبفعل الملاحظة المناخية المتراكمة، يربط الوعي البدائي تجريبياً بين اقتراب المطر وصوت الرعد، فيعمد إلى محاكاة هذا الصوت عبر قرع الطبول الشديد ظناً منه أن استدعاء الرمز (الرعد الاصطناعي) سيؤدي حتماً إلى استدعاء النتيجة الطبيعية (الاستمطار)، وهو ما يحدث مصادفة بفعل التوقيت الدقيق لا بفعل آلية الصوت العازلة. وإن هذه الرؤية تكشف عن ذكاء تجريبي وملاحظة دقيقة لتعاقب الظواهر؛ حيث ظن أفراد القبيلة أن الرعد هو السبب المولد للمطر، فقاموا بصنع شبيهه لاستدعاء النتيجة ذاتها.

وإن هذا التداخل يكشف أن السحر يمثل تاريخياً "أداة لتحقيق أمنيات المجتمع" وسيطرته على الطبيعة القاسية عند غياب الأدوات العلمية التقنية، وعندما تنجح هذه التوليفة الطقسية في أوقات معينة مصادفة، يتأصل العمل السحري ويعتمده المجتمع كآلية دفاعية، وتتحول الممارسة إلى عقيدة أو إلى شكل من أشكال الإيمان تتناقلها الأجيال المتعاقبة بوصفها علماً ناجعاً، والسحر هنا ليس ترفاً فكرياً، بل هو وسيلة حيوية ومؤسسية يسعى من خلالها الوعي الجمعي لتأمين بقائه وتحقيق رغباته الوجودية.

وفي سياق متصل، يناقش عطبوش كيف يمكن للمعرفة الفلكية والعلمية أن تُستغل لإضفاء صبغة سحرية مرعبة على الأفراد لإخضاع الآخرين، ويسرد الباحث قصة ذات مغزى للروائي الغواتيمالي الشهير "أوغستو مونتيروسو" حول مبشر مسيحي وقع في قبضة شعب المايا (عطبوش، 2020، ص 19). وعندما أرادوا قتله، تذكر المبشر بفضل معارفه الحديثة أن اليوم يصادف موعد كسوف الشمس، فحاول استغلال هذا العلم لتهديدهم بأنه يملك القدرة على إخفاء الشمس تماماً من وجه السماء.

لكن، لم ينخدع شعب المايا بهذا التهديد الذي بدا في ظاهره سحرياً ومهيباً؛ لأن معرفتهم الفلكية كانت متطورة للغاية وتفوق ادعاءات المبشر الغريب، ولقد سالت دماء المبشر المغرور على مذبح التضحية لأن المايا كانوا قد دونوا مواعيد الكسوف بدقة متناهية في تراتيلهم الدينية القديمة، وهنا تظهر هذه المفارقة الوجودية أن السحر والعلم قد يتبادلان المواقع أحياناً بحسب درجة وعي المجتمع وقدرته الفلسفية على تفسير الظواهر الطبيعية المحيطة به.

ومن هذا المنطلق الأنطولوجي، يمكننا طرح التساؤل الفلسفي الأعمق:

- هل الفلسفة شكل من أشكال السحر؟

إذا كان السحر يسعى للسيطرة على العالم عبر الكلمات والرموز وبناء علاقات خفية بين الأشياء، فإن الفلسفة في جوهرها تمارس سحراً مفهومياً مغايراً؛ إنها تسحر الوعي الإنساني بإعادة صياغة الوجود داخل أنساق لغوية وفكرية تحاول توجيه الواقع وتغييره، مما يجعل الفلسفة والسحر يلتقيان في رغبتهما المشتركة لإعادة ترتيب العالم وفهمه.

ويتبين من خلال تفكيك جزء من أطروحة الباحث محمد عطبوش أن السحر يمتلك مفهوماً حيوياً ومتطوراً داخل الوعي الإنساني، وليس مجرد ضلال معرفي عابر كما يظهر للبعض، وإنه يمثل المهد الأول الذي انبثق منه العلم والدين والفلسفة على حد سواء؛ حيث سعى الإنسان من خلاله لتجاوز عجزه الأنطولوجي أمام الطبيعة، وإن الهرمينوطيقا الغاداميرية هي أداة رئيسية لإعادة قراءة هذه الأصول، عندما يتوافر للمفكر الاندهاش الفلسفي والأصالة الوجودية؛ وفهم الحاضر العلمي لا يكتمل بدون استيعاب الماضي السحري وتجلياته الوجودية، لأن خيال البارحة هو حقيقة الغد.

المصدر:
- صـ ١٧١٩، الفكر السحري في الإسلام: جذور الدين والعلم؛ تأليف: محمد عطبوش، دار الرافدين، الطبعة الثانية يوليو - تموز 2020، بيروت.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هجمات متبادلة بين موسكو وكييف وتوتر دبلوماسي روسي أوروبي


.. كوبا.. تواصل الانقطاع الواسع للكهرباء وخدمات الاتصال وشركة ا




.. هل تتجه الولايات المتحدة إلى تصعيد أكبر مع إيران؟


.. استهداف منشآت الطاقة يعمق التصعيد في حرب روسيا على أوكرانيا




.. العاشرة | اعتداءات إيرانية جديدة على دول المنطقة