الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الناي الذي بكى على العراق شوقي كريم حسن وثقافة لا تُباع في سوق الغنائم
إسماعيل نوري الربيعي
2026 / 5 / 17الادب والفن
في الأزمنة التي يضيع فيها صوت الحكمة بين صليل المصالح، لا يعود الكاتب مجرد رجل يجلس إلى طاولة ويكتب، بل يصبح شجرةً تحرس آخر ظلٍّ للروح. وهكذا يبدو الروائي والقاص شوقي كريم حسن، كأنه ذلك الدراويش الذي خرج من زحام المدن وهو يحمل في قلبه نايًا مكسورًا، كلما نفخ فيه خرجت منه أنينُ البلاد لا موسيقى الكلمات. ليس لأنه يهوى الحزن، بل لأن العراق نفسه صار قصيدة مجروحة تبحث عمّن يقرأ نزيفها بلغة الضوء لا بلغة الشعارات. لقد قال مولانا جلال الدين الرومي: "استمع إلى صوت الناي كيف يبث آلام الحنين". ولو أصغينا جيدًا إلى ما يكتبه شوقي كريم حسن، لسمعنا ناي العراق القديم وهو يبكي تحت أنقاض الوزارات والأحزاب والأسوار العالية. فالثقافة عنده ليست وظيفة حكومية، وليست كرسيًا وزاريًا، بل هي ذلك السر الإلهي الذي يجعل الإنسان إنسانًا، ويمنع الروح من التحول إلى حجر. إن المأساة الكبرى لا تبدأ حين تجوع البطون، بل حين تجوع الأرواح. وما يحدث اليوم في العراق ليس مجرد خلاف على وزارة، بل معركة خفية بين من يرى الثقافة نورًا، ومن يراها غنيمة. بين من يعتقد أن الكتاب جناح، ومن يظنه منشورًا انتخابيًا. هناك فرق شاسع بين من يدخل وزارة الثقافة وفي يده ديوان شعر، ومن يدخلها وفي جيبه دفتر صفقات. وحين تُسلَّم الثقافة إلى الأحزاب، تصبح القصيدة مطالبة بأن تبايع، والرواية مطالبة بأن تصفق، والمسرح مطالب بأن يرتدي زيّ الطاعة. عندها لا يعود الفنان طائرًا، بل يتحول إلى ببغاء داخل قفص كبير اسمه "الولاء". وهنا تكمن الكارثة التي يصرخ ضدها شوقي كريم حسن، لا بوصفه كاتبًا غاضبًا فقط، بل بوصفه عاشقًا يخاف على معشوقته من التشويه. فالعراق بالنسبة إليه ليس خريطة سياسية، بل روح هائمة عبر آلاف السنين، روح مرت من سومر وبابل والنجف وبغداد، وما زالت تبحث عن نافذة لا يلوثها دخان الطامعين. الثقافة لا تُدار بالعقلية التي تُدار بها الغنائم. لأن الغنيمة تنتهي بانتهاء الحرب، أما الثقافة فهي الشيء الوحيد الذي يبقى بعد سقوط الجيوش واحتراق المدن. قد تموت الدول، لكن بيت شعر واحد قد ينجو من الخراب ويعيد بناء ذاكرة أمة كاملة. لذلك فإن العبث بوزارة الثقافة ليس خطأً إداريًا، بل جريمة رمزية ضد روح العراق نفسها.
كان الرومي يقول: "ما تبحث عنه يبحث عنك". والعراق اليوم يبحث عن مثقف حر، كما يبحث العطشان عن الماء. لكنه في كل مرة يجد أمامه جدارًا من الضجيج الحزبي، وكأن البلاد صارت عاجزة عن التمييز بين الشاعر والموظف، بين الحكيم والسمسار، بين حامل المشعل وحامل الختم الرسمي. إن أخطر أنواع الفساد ليس ذلك الذي يسرق المال، بل ذلك الذي يسرق المعنى. لأن المال إذا ضاع يمكن تعويضه، أما إذا ضاع المعنى فإن الإنسان يتحول إلى كائن يمشي بلا روح. ومن هنا تبدو كلمات شوقي كريم حسن شبيهة بنداء صوفي يخرج من قلب مدينة محترقة. إنه لا يدافع عن وزارة، بل عن فكرة العراق نفسها. عن العراق الذي كان يومًا منارة للفقه والشعر والفلسفة والموسيقى. عن العراق الذي كانت فيه الكلمة تُولد أكبر من السلطان. لذلك فإن تحويل الثقافة إلى حقيبة محاصصة يشبه وضع الناي في فم جلاد. كلاهما يصدر صوتًا، لكن أحدهما يوقظ الروح، والآخر يوقظ الخوف. المثقف الحقيقي لا يستطيع أن يعيش عبدًا. لأنه إذا باع صوته خسر نفسه أولًا. وقد قال الرومي: "لا حل إلا أن تكون لله عبدًا". أما من يعبد الحزب أو المنصب أو الامتياز، فإنه يفقد القدرة على رؤية الجمال. وحين يفقد الإنسان الجمال، يتحول كل شيء حوله إلى خرائب حتى لو كانت الجدران مطلية بالذهب. إن الوزارات يمكن أن تُقسَّم، لكن الثقافة لا تُقسَّم. لأن الثقافة ليست بناية ولا ميزانية، بل ضمير شعب بأكمله. وحين يصبح الضمير تابعًا للسلطة، تبدأ الأمة بالتآكل من الداخل. إن الأمم لا تنهار فقط بسبب الاحتلال أو الفقر، بل تنهار حين يصبح الكذب لغة رسمية، والتملق فضيلة، والخوف منهج حياة. ولهذا فإن احتجاج شوقي كريم حسن ليس احتجاجًا سياسيًا عابرًا، بل دفاع وجودي عن حق العراق في أن يبقى حيًا من الداخل. إنه يشبه ذلك المتصوف الذي يقف في سوق كبير ويصرخ: "لا تبيعوا أرواحكم". بينما الجميع مشغولون بعدّ الأرباح والخسائر. ففي زمن المحاصصة يصبح المثقف الحر شخصًا مزعجًا، لأنه يذكّر الناس بأن الإنسان خُلق ليكون نورًا لا رقمًا داخل ماكينة النفوذ.
لقد تعبت الثقافة العراقية من أن تُعامل كأنها يتيمة على موائد السياسة. تعبت من أن يُنظر إلى الفنان باعتباره تابعًا ينتظر الرضا الحزبي كي يعيش. تعبت من تحويل المبدعين إلى موظفين داخل مزرعة الولاءات. فالكاتب الحقيقي لا يكتب بأوامر السلطة، لأن الكلمة التي تُكتب خوفًا تموت قبل أن تصل إلى القارئ. وحين نقرأ هذا الغضب النبيل في كلمات شوقي كريم حسن، نشعر وكأن الرومي نفسه يهمس من بعيد: "ارتقِ بمستوى حديثك لا بمستوى صوتك". فالقضية ليست صراخًا ضد حزب بعينه، بل دفاعًا عن فكرة الحرية ذاتها. لأن الثقافة التي تفقد حريتها تتحول إلى جثة مزينة بالأوسمة. إن العراق اليوم لا يحتاج إلى المزيد من الخطباء، بل إلى من يوقظ القلب. يحتاج إلى من يعيد للناس ثقتهم بأن الفن ليس ترفًا، بل طريقة لإنقاذ الإنسان من القسوة. فالرواية ليست حكاية فقط، بل مقاومة ضد النسيان. والمسرح ليس عرضًا عابرًا، بل تمرين جماعي على الحلم. والقصيدة ليست كلمات جميلة، بل محاولة لترميم الروح من الداخل. لهذا يبدو شوقي كريم حسن كأنه واحد من أولئك الذين يحملون شمعة وسط العاصفة. يعرف أن الريح أقوى منه، لكنه يعرف أيضًا أن الظلام يكره الضوء مهما كان صغيرًا. ومن هنا تأتي قيمة المثقف الحقيقي. إنه لا ينتصر دائمًا، لكنه يرفض أن يتحول إلى شاهد زور. وقد علّمنا الرومي أن "الجرح هو المكان الذي يدخل منه النور". وربما كانت جراح العراق الكثيرة هي التي أنجبت هذا الإصرار على حماية الثقافة من التدجين. فالأمم المجروحة تصبح أكثر حاجة إلى الشعر، لأن الشعر يعيد ترتيب الخراب داخل النفس. والموسيقى تجعل الإنسان يتذكر أنه ليس آلة. والرواية تمنح الضحايا أسماءً بدل أن يتحولوا إلى أرقام.
إن أخطر ما تفعله المحاصصة أنها تحوّل الإنسان إلى تابع لا إلى كائن حر. تجعل الولاء أهم من الكفاءة، والخضوع أهم من الإبداع. وعندما تدخل هذه العقلية إلى الثقافة، يصبح الكاتب مطالبًا بأن يكتب ما يرضي السلطة لا ما يوقظ الحقيقة. وهنا تموت الرسالة الحقيقية للفن. لكن العراق، رغم كل شيء، ما زال يُنجب من يرفضون الركوع. ما زال هناك من يؤمن أن الثقافة ليست سلعة. وأن القصيدة ليست بطاقة حزبية. وأن الرواية لا تُكتب بالحبر وحده، بل بدم القلب أيضًا. وهؤلاء هم الذين يحرسون المعنى الأخير للعراق، حتى لو وقفوا وحدهم في مواجهة الضجيج كله. إن شوقي كريم حسن لا يتحدث من برج عاجي، بل من وجع حقيقي. من خوف عميق على وطن صار مهددًا حتى في ذاكرته. ولذلك تأتي كلماته حادة كالسكاكين أحيانًا، لكنها في العمق ليست سوى صيحة حب. فالعاشق الحقيقي هو أكثر الناس غضبًا حين يرى معشوقه يُهان. وهكذا يعود صوت الرومي من جديد: "ما أساء عديم الأدب إلى نفسه فحسب، لا بل أضرم النار في كل الآفاق". وحين تُهان الثقافة، لا يُهان المثقف وحده، بل تُهان صورة العراق كلها. لأن العالم لا يتذكر الأمم بجيوشها فقط، بل بما قدمته للروح الإنسانية من جمال ومعرفة وحرية. إن الثقافة العراقية أكبر من الأحزاب كلها، لأنها ابنة آلاف السنين، بينما السياسة مجرد ظل عابر في ممر الزمن. سيذهب الجميع يومًا، وستبقى القصائد والروايات والأغاني شاهدة على من أحب العراق حقًا، ومن حاول أن يحوله إلى غنيمة. ولهذا فإن الدفاع عن الثقافة ليس ترفًا نخبويًا، بل دفاع عن آخر حصون الإنسان في هذا الخراب الكبير. لأن الإنسان حين يفقد الفن يفقد قدرته على الحلم، وحين يفقد الحلم يتحول إلى كائن يكرر الحياة بلا معنى. في النهاية، لا يبدو شوقي كريم حسن مجرد روائي أو قاص، بل أشبه بحارس نار قديمة يخاف أن تنطفئ. نار الروح العراقية التي قاومت الحروب والجوع والحصار والموت، وما زالت تحاول أن تغني رغم كل شيء. ولعل أعظم ما يقوله لنا، بصوته وصمتِه معًا، أن الثقافة ليست وزارة فقط، بل صلاة طويلة من أجل بقاء الإنسان إنسانًا. وحين تُباع الثقافة في سوق السياسة، يبكي العراق كله بصوت الناي.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. نبيلة عبيد: أحمد زكي بيندمج جدًا.. وحصلت بيننا مشادة في فيلم
.. مصر فين في سوق الإعلانات؟ المخرج شريف منير يكشف ترتيب الإعلا
.. محلل سياسي: إسرائيل لم تسيطر فعليا على تلة علي الطاهر والروا
.. إسماعيل شيرتوك في جولة فرنسية وياسين بن شقرون عن دعم الفناني
.. حطيت لنفسى شروط الدكتورة نبيله حسن تتحدث عن رحلتها الفنية