الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الإنسانية الإسرائيلية شوفينية مقنعة

ناضل حسنين
الكاتب الصحفي

(Nadel Hasanain)

2026 / 5 / 18
القضية الفلسطينية


في المشهد العالمي، غالبًا ما تُقدّم إسرائيل نفسها كنموذج للإنسانية والتقدم، فهي تسارع لإرسال فرق الإنقاذ إلى مناطق الكوارث الطبيعية، وتتصدر أخبارها قصص إنقاذ الحيوانات من على قمم الأشجار. هذه الصورة، التي تُصَدّر بعناية، توحي بوجود ثقافة متجذرة من الحساسية الإنسانية. لكن عند النظر بعمق إلى سياساتها الممنهجة تجاه الشعب الفلسطيني، تظهر حقيقة مغايرة تمامًا، حقيقة تكشف عن ازدواجية صارخة في المعايير، وتطرح سؤالًا جوهريًا: هل هذه الإنسانية حقيقية أم أنها مجرد قناع يخفي شوفينية عميقة؟
الشوفينية، في جوهرها، هي التعصب القومي المتطرف الذي يقترن بازدراء الآخرين. إنها ليست مجرد فخر بالوطن، بل هي عقيدة استعلائية تجرد الآخر من قيمته الإنسانية، مما يبرر التعامل معه بقسوة وعدوانية. هذا التعريف يجد تجسيدًا دقيقًا في السياسات الإسرائيلية التي تميز بشكل منهجي بين حياة اليهودي وحياة الفلسطيني.
هدم المنازل الفلسطينية كسياسة دولة
تعتبر سياسة هدم منازل عائلات الفلسطينيين المتهمين بتنفيذ هجمات ضد أهداف إسرائيلية أحد أبرز الأمثلة على هذه الازدواجية. هذه الممارسة، التي ورثتها إسرائيل من قوانين الطوارئ البريطانية، تُطبق كعقاب جماعي محظور بموجب القانون الدولي، وتحديدًا المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة. الضحايا الرئيسيون ليسوا المنفذين أنفسهم، الذين غالبًا ما يكونون قد قُتلوا أو سُجنوا، بل عائلاتهم وأطفالهم الذين يجدون أنفسهم بلا مأوى في لحظة.
منذ عام 1967، هدمت إسرائيل آلاف المنازل الفلسطينية تحت هذه الذريعة. تدعي إسرائيل أن هذه السياسة تهدف إلى "الردع"، لكن لجنة تابعة للجيش الإسرائيلي نفسها خلصت في عام 2005 إلى عدم وجود دليل على فعاليتها، وأن الضرر الذي تسببه يفوق أي فائدة مزعومة. في المقابل، لا يتم تطبيق هذا الإجراء مطلقًا على عائلات المستوطنين الإسرائيليين الذين يرتكبون أعمال عنف مميتة ضد الفلسطينيين. هذا التمييز الصارخ في تطبيق القانون يكشف أن الهدف ليس العدالة أو الردع، بل الانتقام وترسيخ شعور بالقوة والهيمنة.
عنف المستوطنين والتواطؤ الرسمي
تُظهر تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان تصاعدًا مقلقًا في عنف المستوطنين في الضفة الغربية. هذه الهجمات، التي تشمل إحراق المنازل والمحاصيل، وتخريب ممتلكات، والاعتداء الجسدي على الفلسطينيين، لا تحدث في فراغ. في كثير من الحالات، تتم هذه الهجمات تحت أنظار وحماية قوات الأمن الإسرائيلية. بدلًا من حماية السكان المدنيين الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال، كما يقتضي القانون الدولي، غالبًا ما تقف القوات الإسرائيلية متفرجة، أو تتدخل لحماية المعتدين، وتعتقل الفلسطينيين الذين يحاولون الدفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم.
هذا النمط المستمر من التواطؤ يحول الجيش من قوة احتلال إلى شريك في الجرائم التي يرتكبها المستوطنون، مما يخلق بيئة من الإفلات التام من العقاب. وقد وثقت الأمم المتحدة أكثر من 1000 هجوم للمستوطنين في عام 2025 وحده، مما أدى إلى مقتل وجرح المئات من الفلسطينيين. هذه الديناميكية تؤكد أن العنف ليس مجرد تصرفات فردية من "متطرفين"، بل هو جزء من استراتيجية أوسع لتهجير الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم، وهي استراتيجية تحظى بدعم ضمني أو صريح من الدولة.
سلاح نزع الإنسانية
لكي يصبح العنف الممنهج مقبولًا، لا بد من تجريد الضحية من إنسانيتها أولًا. وقد برع مسؤولون إسرائيليون في استخدام لغة مشحونة بنزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين. تصريحات مثل وصف الفلسطينيين بـ "حيوانات بشرية" من قبل وزير الدفاع السابق يوآف غالانت، أو دعوات "لمحو قطاع غزة عن وجه الأرض" من قبل نائب رئيس الكنيست، ليست مجرد زلات لسان. هذه التصريحات، التي وثقتها جنوب أفريقيا في قضيتها ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، تشكل جزءًا من خطاب عام يهدف إلى تصوير الفلسطينيين كتهديد وجودي لا يستحق التعاطف أو الحقوق الأساسية.
عندما يتم ترسيخ فكرة أن "لا يوجد أبرياء في غزة"، كما صرح الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، يصبح قصف المستشفيات والمدارس والمخيمات وتجويع شعب بأكمله "إجراءً دفاعيًا" مبررًا في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام. هذا الخطاب ليس مجرد كلام، بل هو الوقود الذي يغذي آلة الحرب ويمنحها الشرعية الأخلاقية في عيون منفذيها ومؤيديها.
المساعدات الإنسانية: سلاح حرب
إن التناقض الأكثر فجاجة يظهر في تعامل إسرائيل مع المساعدات الإنسانية. ففي الوقت الذي تسوق فيه لنفسها كقوة إنسانية عالمية، تستخدم الغذاء والماء والدواء كسلاح حرب في غزة. لقد حذرت منظمات الإغاثة الدولية والأمم المتحدة مرارًا من أن إسرائيل تعرقل بشكل متعمد دخول المساعدات الحيوية، مما أدى إلى مجاعة وكارثة صحية غير مسبوقة.
إن تحويل المساعدات الإنسانية إلى أداة للضغط السياسي والسيطرة العسكرية هو النقيض التام للمبادئ الإنسانية. وقد أكد مسؤولون أمميون أن إسرائيل تستخدم التجويع كسلاح حرب، وهو ما يشكل جريمة حرب بموجب القانون الدولي. هذه السياسة تكشف أن "الإنسانية" الإسرائيلية هي أداة علاقات عامة انتقائية، تُستخدم لتحسين الصورة عند الحاجة، وتُسحب عندما تتعارض مع الأهداف العسكرية والسياسية تجاه الفلسطينيين.
الشوفينية هي الأصل، والإنسانية هي الاستثناء
إن الأدلة الدامغة من سياسات هدم المنازل، وعنف المستوطنين، وخطاب نزع الإنسانية، واستخدام المساعدات كسلاح، ترسم صورة واضحة لا لبس فيها. الإنسانية التي تدعيها إسرائيل هي إنسانية انتقائية ومصطنعة، تُمنح بسخاء لليهودي، وتُحجب بقسوة عن الفلسطيني. هذه الازدواجية ليست مجرد تناقض، بل هي جوهر الشوفينية التي ترى في "الآخر" عدوًا أو كائنًا أدنى، لا يستحق نفس الحقوق أو حتى نفس القيمة الإنسانية.
الإنسانية الحقيقية لا تتجزأ ولا تخضع للمصالح السياسية؛ فهي تعامل كل إنسان كقيمة مطلقة. أما السياسة الإسرائيلية، بتجردها من أي معيار إنساني موحد، فإنها تثبت أن الشوفينية ليست مجرد انحراف عابر، بل هي المحرك الأيديولوجي العميق الذي يوجه تعاملها مع الشعب الفلسطيني، مما يجعل السلام العادل والمساواة الحقيقية أهدافًا بعيدة المنال.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية للجزيرة: استهدفنا مو


.. أمريكا تصعد ضد إيران.. هل تنجح الضربات أم المفاوضات؟




.. خبير عسكري واستراتيجي: طهران بدأت تفقد قدرتها على إدارة وكلا


.. واشنطن تشدد الحصار على إيران في مضيق هرمز وتواصل استهداف موا




.. سياق الحدث | هل تجاوز التصعيد الأمريكي الإيراني سقف مذكرة ال