الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


من صفحات التاريخ - الغرب وهتلر: كيف إستمرت التجارة مع الرايخ حتى اللحظات الأخيرة؟

زياد الزبيدي

2026 / 5 / 19
مواضيع وابحاث سياسية


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي


19 أيار مايو 2026

في هذا المقال، يستعيد الصحفي والمحلل الروسي أليكسي بوبروفسكي قراءة جانب أقل تداولًا من الحرب العالمية الثانية، متوقفًا عند العلاقات الإقتصادية والتجارية التي إستمرت بين ألمانيا النازية وعدد من الدول الغربية حتى المراحل المتأخرة من الحرب. ومن خلال وثائق وأمثلة تاريخية، يحاول الكاتب إظهار كيف تداخلت المصالح الجيوسياسية والإقتصادية مع شعارات الحرب والتحالفات المعلنة.


«إذا كانت ألمانيا هي التي تربح، فيجب مساعدة روسيا، وإذا كانت روسيا هي التي تربح، فيجب مساعدة ألمانيا، وليدعوا الطرفين يقتلان أكبر عدد ممكن من بعضهما البعض».

بهذه العبارة التي تُنسب إلى الرئيس الأمريكي لاحقًا Harry Truman، حين كان لا يزال عضوًا في مجلس الشيوخ الأمريكي عام 1941، بعد بدء الحرب الألمانية ضد الإتحاد السوفياتي، وقد نقلتها صحيفة The New York Times في 24 يونيو/حزيران 1941، يلخّص الكاتب الروسي أليكسي بوبروفسكي جوهر البراغماتية الغربية في التعامل مع الحروب الكبرى: إطالة الصراع، وإستنزاف الخصوم، وإدارة التوازنات بما يخدم المصالح الجيوسياسية أولًا وأخيرًا. ومن هذه الزاوية يعود الكاتب إلى كواليس الحرب العالمية الثانية، كاشفًا كيف إستمرت شبكات التجارة والطاقة بين الغرب وألمانيا النازية حتى في ذروة الحرب ضد الإتحاد السوفياتي.

وحين نتحدث عن الحسابات الدقيقة والباردة والشديدة السخرية لدى «الشركاء» الغربيين، فإن أفضل طريقة لفهمها تكون عبر أمثلة التاريخ نفسه.
في الأول من مايو/أيار 1944 — وقّعت بريطانيا والولايات المتحدة إتفاقًا مع إسبانيا الفرانكوية. وكان الجنرال فرانكو قد بدأ تدريجيًا بالتخلي عن هتلر، لكن هذا ليس جوهر المسألة. فالإتفاق تضمّن، من بين أمور أخرى: تقليص صادرات إسبانيا من معدن التنغستن إلى ألمانيا؛
سحب ما تبقى من «الفرقة الزرقاء» الإسبانية من الجبهة السوفياتية-الألمانية؛ إلتزام بريطانيا والولايات المتحدة بإستئناف تزويد إسبانيا بالمواد الخام.
حتى تلك المرحلة، لم يكن الضغط على فرانكو شديدًا. والسبب أن إمدادات النفط إلى ألمانيا عبر إسبانيا كانت تُنفَّذ عمليًا بواسطة عمالقة النفط الأمريكيين أنفسهم.
في ذلك الوقت، كانت الولايات المتحدة قد بدأت بالفعل بالدفع نحو خنق الرايخ تدريجيًا عبر حرمانه من المواد الخام. ولهذا بدأ الضغط على السويد وتركيا والبرتغال وإسبانيا — وهي أهم الشركاء التجاريين والمورّدين الإستراتيجيين لألمانيا — منذ أواخر عام 1943، حين أدرك «الحلفاء» أن الإتحاد السوفياتي أصبح قادرًا بشكل حاسم على تحطيم العمود الفقري لـ«الرايخ الأوروبي». فمعركتا ستالينغراد وكورسك كانتا قد وقعتا بالفعل، وبدأ الجيش الألماني يتهاوى.
لكن ونستون تشرشل كان يقنع روزفلت بضرورة تشديد الضغط على هتلر بصورة تدريجية وناعمة، أي الإبقاء على قدر من التجارة معه. أما روزفلت، فكان قد بدأ يحتاج إلى التقارب مع الإتحاد السوفياتي، وفي الوقت ذاته كان يسعى إلى إضعاف الإمبراطورية البريطانية.
وفي ديسمبر/كانون الأول 1943، وتحت ضغط أمريكي، وافقت سويسرا على تقليص مبيعاتها لألمانيا بنسبة 45% في مجالات الأسلحة والذخائر والآلات، وبنسبة 40% في المعدات الدقيقة والمحامل الصناعية.
أما السويد، فقد تعهّدت بتقليص صادراتها من المواد الإستراتيجية إلى ألمانيا، لكنها لم تلتزم فعليًا بذلك خلال عام 1944، لأن قطع التجارة لم يكن يخدم مصالحها، كما أنها لم تكن تفهم بالكامل المصالح الأمريكية الكامنة خلف هذا الضغط.
وفي تلك الفترة نفسها تقريبًا، حذّر وزير الخارجية السويدي كريستيان غونتر، ردًا على إحتجاج السفير الأمريكي جونسون، من أن ضغوط القوى الغربية قد تؤدي إلى كشف «مضمون كامل المراسلات التي ستُظهر أن التجارة بين السويد وألمانيا كانت تتم على أساس إتفاقات معروفة للحكومات الحليفة وتم التوصل إليها بموافقتها المسبقة».
وبعبارة أكثر وضوحًا: كانت السويد تتاجر مع هتلر بدعم وتغطية كاملين من الولايات المتحدة وبريطانيا.
كما أن المفاوضات مع تركيا بشأن وقف تصدير خام الحديد إلى ألمانيا كانت معقدة للغاية، لكن ليس بسبب الموقف التركي وحده. ففي عام 1942 كانت أنقرة قد حشدت فرقًا عسكرية على حدود الإتحاد السوفياتي، وكانت مستعدة لتوجيه ضربة من الخلف لو فشل السوفيات في الدفاع عن القوقاز. لا جديد في ذلك.
وقد نجح تشرشل في إنتزاع موافقة الرئيس الأمريكي على إعتماد سياسة «الخطوات الصغيرة»، بحجة «عدم تعريض تلك الدول لغضب النازيين».
وبالمناسبة، ومع كثرة الأساطير والروايات الدعائية حول تلك المرحلة، من المهم الإشارة إلى أن خبراء لجنة رؤساء الأركان البريطانية كانوا قد أكدوا عام 1940، أي قبل الحرب، أن المنتجات النفطية القادمة من الإتحاد السوفياتي إلى ألمانيا — بموجب الإتفاق التجاري السوفياتي الألماني آنذاك — لم تكن تشكّل سوى أقل من 2% من إجمالي الواردات الألمانية.
وفي الفترة بين يناير ومايو 1941 (أي قبل الحرب)، صدّر الإتحاد السوفياتي إلى ألمانيا نحو 306,884 طنًا من النفط، أي ما يعادل تقريبًا نصف الكمية التي كانت الشركات الأمريكية وحدها تمرّرها سنويًا إلى ألمانيا عبر إسبانيا طوال معظم سنوات الحرب.
وفي عام 1944، كانت ألمانيا تتلقى عبر إسبانيا ما معدله 48 ألف طن شهريًا من البنزين والنفط. وبمساعدة شركة «ستاندرد أويل»، تمكن الألمان خلال عامي 1943–1944 من تنظيم إنتاج وقود طيران عالي الأوكتان داخل الرايخ نفسه.
وبذلك، يمكن القول إن كل غواصة أو طائرة أو دبابة ألمانية تقريبًا من أصل سبع كانت تعمل على الجبهة الشرقية ضد الإتحاد السوفياتي بوقود مصدره فعليًا «محطات الوقود الغربية».
لكن الأهم من ذلك أن الولايات المتحدة هي التي ساهمت أصلًا في إعداد ألمانيا طاقويًا قبل الحرب. فحتى عام 1939، كانت ألمانيا تغطي نحو 70% من إحتياجاتها النفطية عبر الواردات القادمة من أمريكا الشمالية والجنوبية، ومن الحقول الرومانية التي كانت تخضع جزئيًا لسيطرة شركات أمريكية وبريطانية مثل «رويال داتش شل» و«ستاندرد أويل».
وبعد إندلاع الحرب، فُرضت قيود شكلية على التصدير المباشر من الولايات المتحدة إلى ألمانيا، لكن الإمدادات إستمرت عبر دول «محايدة» مثل إسبانيا والمكسيك ودول أمريكا اللاتينية، وكذلك عبر الحقول الرومانية التي كانت رؤوس الأموال والإدارة فيها أنغلو-أمريكية-هولندية.
ويختم بوبروفسكي فكرته بالقول:
«أسوأ من العداء مع الأنغلوساكسون هو التحالف معهم. ومع ذلك، لا مفر أحيانًا من هذا التحالف. لكن مثل هذا “الحليف” أو “الشريك” سيظل دائمًا يحيك المؤامرات خلف ظهرك. تلك هي طبيعته».








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. القيادة المركزية الأمريكية تعلن انتهاء جولة ثامن أيام الضربا


.. باحث في السياسات الأمنية للجزيرة: أمريكا تستعد لغزو بري فعلي




.. العلاقات الأفغانية الباكستانية عالقة في دائرة لا تنتهي.. فلم


.. عضو كونغرس سابق: استهداف قاعدة الأردن مبرر لتصعيد أمريكي يحر




.. نشرة إخبارية | بعد مقتل جنودها.. أميركا تفتح النار على الحرس