الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 10

بشرى الفكي
(Bushra Elfaki)

2026 / 5 / 19
مواضيع وابحاث سياسية


الإمارات والنظام العالمي القادم—نموذج للمستقبل أم استثناء تاريخي؟
حين تقترب الكتابة من نهايتها، لا يكون المطلوب إغلاق الأسئلة بقدر ما يكون إعادة صياغتها على مستوى أعمق. فالدول، مثل الأفكار، لا تُختزل في أحكام نهائية، وانما تُقرأ بوصفها لحظات في تاريخٍ أطول، يتجاوزها ويُعيد تأويلها. ومن هنا، فإن السؤال عن الإمارات، هل هي نموذج للمستقبل أم استثناء تاريخي، ليس سؤالًا عن دولة بعينها، ولكنه سؤالاً عن طبيعة النظام العالمي الذي يُعاد تشكيله أمامنا.
لقد بيّنت المقالات السابقة أن الإمارات لا يمكن فهمها كقصة نجاح اقتصادية فقط، ولا كحالة سلطوية منفصلة، بقدر ما يجب فهمها كـبنية مركّبة تجمع بين اندماج عميق في الرأسمالية المعولمة، وبناء داخلي منضبط، ودور خارجي متصاعد، وموقع وسيط داخل شبكة الهيمنة العالمية. هذا التراكب هو ما يمنحها قوتها، وهو ذاته ما يحدد حدودها.
لكن هذه القوة لا تُقرأ بمعزل عن لحظة تاريخية أوسع. فالعالم الذي سمح بصعود هذا النموذج (عالم العولمة المتسارعة، وتدفقات رأس المال، ومرونة الحدود) هو نفسه عالم يدخل الآن مرحلة اضطراب. سلاسل الإمداد لم تعد مستقرة كما كانت، والاقتصاد العالمي لم يعد يسير وفق إيقاع واحد، والتحالفات لم تعد ثابتة، وإنما تُعاد صياغتها باستمرار. في هذا السياق، لا يكون السؤال كيف نجحت الإمارات؟ولكن يُصبح السؤال هل يمكن لهذا النجاح أن يستمر في عالم يتغير؟
لقد أشار إيمانويل والرشتاين إلى أن الأنظمة العالمية، حين تقترب من حدودها البنيوية، تدخل في مرحلة لا تعود فيها قادرة على إعادة إنتاج نفسها بالشروط السابقة (Wallerstein, 2004). وهذه المرحلة لا تُنتج انهيارًا فوريًا، ولكن حالة من عدم اليقين، حيث تتعدد المسارات، ويصبح المستقبل مفتوحًا. في مثل هذه اللحظات، تكتسب الحالات الوسيطة، مثل الإمارات، أهمية خاصة، لأنها تكشف إمكانات النظام وحدوده في آنٍ واحد.
من جهة، تقدم الإمارات نموذجًا لدولة استطاعت أن تستفيد من العولمة دون أن تتبنى بالضرورة النموذج السياسي الليبرالي المرتبط بها تقليديًا. فهي تثبت أن الارتباط بين السوق المفتوح والديمقراطية ليس حتميًا، وأنه يمكن بناء اقتصاد عالمي داخل بنية سياسية منضبطة. وهذا يجعلها، في نظر البعض، نموذجًا ممكنًا للمستقبل، خاصة في عالم يبحث عن الاستقرار بقدر بحثه عن النمو.
لكن من جهة أخرى، يكشف هذا النموذج عن تناقضاته الخاصة. فاعتماده على تدفقات رأس المال يجعله عرضة لتقلبات لا يتحكم فيها، وبنيته الاجتماعية تطرح أسئلة حول الاستدامة، وشرعيته القائمة على الأداء تظل مرتبطة بظروف قد تتغير. وهذه التناقضات لا تعني بالضرورة فشل النموذج، لكنها تشير إلى أنه ليس بلا حدود.
وقد أشار جيوفاني أريغي إلى أن فترات التحول في النظام العالمي لا تنتج نماذج مستقرة فورًا، ولكن تنتج تجارب متعددة، بعضها ينجح مرحليًا، وبعضها يتلاشى، وبعضها يتحول (Arrighi, 1994). وفي هذا الإطار، يمكن قراءة الإمارات لا كنموذج نهائي، إنما كـتجربة في طور التشكل، تعكس إمكانات مرحلة، أكثر مما تقدم إجابات دائمة.
وهنا، يبرز البعد الأعمق للسؤال: هل يمكن تعميم هذا النموذج؟ هل تستطيع دول أخرى أن تكرر المسار نفسه؟ أم أن التجربة مرتبطة بشروط خاصة، جغرافية، ديموغرافية، اقتصادية، لا تتكرر بسهولة؟ الإجابة، على الأرجح، تقع في المنتصف. فبعض عناصر النموذج، كالانفتاح الاقتصادي، والاستثمار في البنية التحتية، والاندماج في الشبكات العالمية، قابلة للنقل. لكن التوازن الدقيق بين هذه العناصر، وبين البنية السياسية والاجتماعية، يظل خاصًا بسياق معين.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن ما يبدو استقرارًا اليوم، قد يكون في جوهره توازنًا هشًا. فالنظام الذي يعتمد على إدارة التدفقات، قد يواجه تحديات حين تتحول هذه التدفقات إلى انقطاعات. والدولة التي بنت شرعيتها على الأداء، قد تجد نفسها أمام أسئلة جديدة حين يتغير هذا الأداء. وهنا، لا يكون التحدي في الحفاظ على النموذج كما هو، ولكن في القدرة على التحول.
هذا التحول هو ما سيحدد ما إذا كانت الإمارات ستبقى نموذجًا، أم تتحول إلى حالة تاريخية مرتبطة بمرحلة معينة. فالدول لا تستمر لأنها نجحت في الماضي، ولكن لأنها قادرة على إعادة تعريف نفسها في الحاضر. وإذا كان النظام العالمي يتغير، فإن موقع الدولة داخله لا يمكن أن يبقى ثابتًا.
في النهاية، لا يمكن إعطاء حكم نهائي. فالإمارات ليست استثناءً خالصًا، ولا نموذجًا مكتملًا. إنها، بالأحرى، علامة على زمنٍ يتغير. زمن تتفكك فيه الحدود القديمة بين الاقتصاد والسياسة، بين المحلي والعالمي، بين القوة والشرعية. وفي هذا الزمن، لا تكون الدولة فقط فاعلًا، إنها مختبرًا، تُجرَّب فيه أشكال جديدة من التنظيم، بعضها يستمر، وبعضها يتلاشى.
وهنا، يعود السؤال في صورته الأكثر تجريدًا: هل نحن أمام نموذج جديد للدولة، أم أمام استثناء لن يتكرر؟ ربما لا يكون الجواب في الإمارات نفسها، بقدر ما سيكون الجواب في العالم الذي سيأتي بعدها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. طلب مفاجئ من ترامب بشأن سوريا ولبنان.. هذا ما قاله لنتنياهو


.. ما وراء الخبر - بعد استهداف مركز للشرطة.. كيف تتلقى المقاومة




.. الجزيرة والمؤسس


.. سياق الحدث | تأرجح مستقبل مضيق هرمز بين التصعيد العسكري والح




.. العالم الليلة | جبل الفأس.. ترمب يهدد بضرب منشأة إيران الخطي