الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
بين الخبز والحرية
أكرم شلغين
2026 / 5 / 19اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
كان الألمان، بعد سقوط جدار برلين ووحدة الألمانيتين، يروون حكايات صغيرة تكشف أكثر مما تقوله الكتب السياسية الضخمة. ومن بين أكثر العبارات التي كانت تتردد على ألسنة كثيرين ممن عاشوا في ألمانيا الشرقية قولهم: "ولكن لم يكن كل شيء سيئا في تلك الأيام."
كان الغربيون ينظرون إلى بعضهم البعض بابتسامات خفية، وكأن العبارة بالنسبة لهم هي نوع من حنين الشرقيين غير المفهوم إلى زمن القمع والجدران والأسلاك الشائكة. أما أبناء الشرق، أو "الأوسيون" كما كانوا يُعرفون، فقد شعروا سريعا أنهم موضع سخرية مبطنة، فكانوا يسارعون إلى الدفاع عن أنفسهم بالقول إنهم لم يكونوا جائعين، وإن الخبز والمواد الأساسية كانت متوفرة، وإن الإنسان كان يعرف كيف سيعيش غده، حتى لو لم يكن قادرا على الكلام بحرية.
هناك، تماما، تكمن العقدة القديمة التي يبدو أن البشرية لم تنجح بعد في حلها: ماذا يفعل الإنسان حين يُطلب منه أن يختار بين الخبز والحرية؟
أيّهما أكثر إيلاما: أن يجوع الجسد أم أن يختنق الصوت؟
في كثير من بلداننا العربية، لم تكن المسألة يوما مجرد سياسة، بل كانت دائما حياة يومية كاملة تُبنى على الخوف والصمت. وفي سوريا تحديدا، عاش الناس لعقود طويلة وهم يدفعون أثمانا باهظة مقابل الاستقرار الظاهري. لم يكن المواطن العادي يحلم بأكثر من حياة هادئة، ورغيف خبز متوفر، ووظيفة تقيه الحاجة، لكن الثمن كان معروفا للجميع، حتى وإن لم يُقل بصوت مرتفع: أن تخفض صوتك، وأن تتجنب الأسئلة الكبيرة، وأن تتعامل مع الصمت بوصفه شرطا من شروط النجاة.
وخلال أكثر من نصف قرن، نشأت أجيال كاملة وهي تتقن فن الهمس. وجزء منها فن الصمت.
كانوا يتحدثون داخل البيوت بطريقة، وخارجها بطريقة أخرى. وكانت الكلمات تُنتقى بحذر شديد، وكأن اللغة نفسها أصبحت حقل ألغام. لم يكن الخوف دائمًا مرئيا، لكنه كان حاضرا في تفاصيل الحياة الصغيرة، في النكات التي لا تُقال، وفي الآراء التي تُبتلع قبل أن تخرج إلى الهواء.
اليوم، وبعد كل ما جرى، يهمس كثيرون بمرارة أشد. فالمأساة لم تعد مقتصرة على الحرية وحدها، بل امتدت إلى أبسط شروط العيش أيضا. صار الناس يتحدثون عن الخبز كما يتحدثون عن الحلم، وعن الحياة الكريمة كما لو أنها ذكرى بعيدة. والأسوأ من ذلك أن الإحساس بالخوف لم يختفِ تماما من النفوس، بل تبدل شكله فقط.
كثيرون ما يزالون يترددون قبل قول ما يفكرون فيه حقا، وكثيرون يفضلون الصمت لأنهم تعبوا من الخيبات، أو لأنهم لا يريدون الاعتراف بأن زمن كمّ الأفواه ربما لم ينتهِ بالصورة التي تخيلوها.
إن أكثر ما يوجع الإنسان ليس القمع وحده، ولا الفقر وحده، بل ذلك الشعور القاسي بأنه يُدفع دائما إلى الاختيار بين حقين طبيعيين: أن يعيش… وأن يتكلم.
وكأن قدر هذه المنطقة أن تبقى عالقة في المعادلة نفسها؛ مرة يُقال لها اصبروا على غياب الحرية كي لا تجوعوا، ومرة يُطلب منها أن تتحمل الجوع على أمل أن يأتي الكلام الحر يوما ما.
لكن الحقيقة البسيطة التي تعلمتها الشعوب بعد تجارب طويلة هي أن الإنسان لا يكتمل بأحد الأمرين دون الآخر. فالخبز بلا كرامة يتحول مع الوقت إلى صدقة ثقيلة، والحرية بلا حد أدنى من العدالة المعيشية تصبح امتيازا لا يقدر عليه المنهكون.
وربما لهذا السبب تبدو جملة أولئك الألمان الشرقيين مفهومة أكثر اليوم:
"لم يكن كل شيء سيئا…"
فالبشر لا يتذكرون الأنظمة فقط، بل يتذكرون أيضا خوفهم القديم، وجوعهم القديم، وأحلامهم التي تأجلت طويلا، ويتذكرون قبل كل شيء تلك الأمنية البسيطة التي لم تتحقق بعد بصورة كاملة في كثير من أنحاء العالم:
أن يعيش الإنسان حرا… دون أن يجوع.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. نقاش الساعة | سياسة أمريكا بين المصالح الإسرائيلية وأمن المن
.. وكالة تسنيم: هجمات أمريكية استهدفت الجسر الرابط بين بندر عبا
.. احتجاجات الخريجين بالعراق للمطالبة بالتوظيف الحكومي في ظل أز
.. سيناريوهات | تعهدات الزيدي بحل المليشيات قبيل زيارته إلى واش
.. خارج الصندوق | بعد لقاء الزيدي وترمب.. العراق يواجه أخطر 48