الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
وجوه وأقنعة: ذكريات من مطعم الجامعة الأردنية
جهاد حمدان
أكاديمي وباحث وناشط سياسي
(Jihad Hamdan)
2026 / 5 / 20
كتابات ساخرة
حمل عام 1974 نكهة خاصة في أروقة قسم اللغة الإنجليزية وآدابها. ذات نشاط، قررت اللجنة الثقافية لاتحاد طلبة القسم كسر وقار المحاضرات الأكاديمية المعتاد، ودعت الأساتذة والطلبة إلى "فعالية تنكرية" تُقام في مطعم الجامعة في تمام الخامسة مساءً؛ دعوةٌ بدت حينها مغامرة سريالية تليق بأجواء السبعينيات الحافلة بالتمرد والتجديد.
تحول مطعم الجامعة إلى مسرحٍ من نوع آخر. توافد الأساتذة، وجلّهم في شرخ الشباب، حقيملؤهم حماس العائدين حديثاً من جامعات بريطانيا وأمريكا، بأقنعتهم مع دقات الخامسة، ولبى الدعوة عدد غير قليل من طلبة القسم الذين أتوا متنكرين.
ومع ذلك، لم يتنكر الجميع؛ فالبعض آثروا الحضور بوجوههم الحقيقية. وكنت من القلة الذين اختاروا مراقبة ذلك المشهد دون أقنعة. اختبأت خلف أقنعة الأساتذة الورقية والقماشية ملامح صارمة صهرتها قواميس "أكسفورد" وقواعد "تشومسكي"، واختلط الطلبة بأساتذتهم على طاولات المطعم في فضاء تلاشت فيه الحواجز التقليدية، ليمتزج أصحاب الوجوه الحقيقية بأصحاب الأقنعة في حوار لا يخلو من طرافة.
انطلقت الفعالية باللغة الإنجليزية؛ ولم تكن مجرد قراءات عادية، بل ساحة "مبارزة خطابية"، تبارى فيها الشجعان بإلقاء قصائد وخواطر مشحونة بالتهكم، مستعرضين عضلاتهم اللغوية في صياغة النكات والمفارقات.
وفي ذروة التفاعل، اعتلى المنصة المرحوم الدكتور يوسف الذي كان يتمتع بحضورٍ آسر وجاذبية خاصة، واختار أن يشارك بنكتة صيغت بتهكم بريطاني جاف، تعكس عبثية البيروقراطية والغباء البشري المتوارث. ارتدى قناع السخرية الراقية، وبدأ السرد:
"في إحدى حانات لندن، جلس موظفان يعملان لدى شركتين إنجليزيتين عريقتين، يحتسيان الجعة ويتبادلان هموم المهنة، أو بالأحرى، يتنافسان في إثبات أيّ من مديريهما أكثر غباءً من الآخر.
انطلق الأول متأففاً: تخيل مديري جون! إنه كتلة من الغباء المتحرك. ناداني صباح اليوم، وأعطاني ورقة من فئة عشرة باوندات فقط، وقال: اذهب فوراً إلى السوق واشترِ لي سيارة أوستن حديثة! أخذت المال وذهبت، لكنني عدت إليه بعد نصف ساعة خائب الأمل .
هزّ الثاني رأسه مواسياً وسأله: وماذا حدث؟
رد الأول بحنق: قلت له: للأسف يا سيدي، لم أتمكن من شراء السيارة اليوم.. لأن جميع محلات بيع السيارات مغلقة، يبدو أنك نسيت أنّ اليوم هو الأحد!
أخذ الثاني نفساً عميقاً، وقال باستهزاء: يا صاحبي، ليت مديري بذكاء مديرك! مديري أغبى بمراحل. تصور أنه استدعاني إلى مكتبه وقال لي بغطرسة: بدي أبعثك مشوار عالبيت في خدمة. فقلت له: حاضر يا سيدي، ماذا تريد؟
فقال لي بكل جدية: اذهب إلى منزلي، واسأل عني.. متى سأعود إلى البيت اليوم؟
شهق الأول مذهولاً: وماذا فعلت؟
أجابه الثاني بكبرياء مجروح: لقد ذهبت بالفعل! لكنني في منتصف الطريق تذكرت شيئاً هاماً، فعدت أدراجي فوراً ودخلت على مكتبه. فسألني مستغرباً: ما بك؟ لماذا عدت؟ ما الذي تذكرته؟
أجبت وأنا أشعر بالانتصار: تذكرت شيئاً عبقرياً.. لماذا لا تتصل يا سيّدي بالهاتف من مكتبك، وتسألهم بنفسك متى ستصل؟ "
ضجت أرجاء المطعم بالضحك والتصفيق، ولم يكن الضحك مجرد تفاعل مع النكتة، بل احتفاءً بتلك المفارقة العميقة، حيث لم يدرك أيّ من الموظفيْن أنه يسبح في سديم الغباء ذاته الذي يرمي به مديره.
وبعد أن هدأت عاصفة الضحك، انتقلت الفعالية إلى فقرة من الدردشات الحرة. وبينما كنت أقف بملامحي المكشوفة أراقب صخب الأقنعة، تقدمت مني شابّة أخفت وجهها بقناع غزال. بعد تبادل عبارات المجاملة المعتادة، باغتتني ببوح لم أتوقعه، قائلة:
"كنتُ دائماً تواقة للحديث معك. في إحدى المرات، وتحديداً في مادة القصة الطويلة، رغبتُ بشدة في الإفادة من دفتر ملاحظاتك، لكنني لم أجرؤ على طلبه منك مباشرة".
توقفت لبرهة، ثم أضافت مبررة:
"صورتك عندي أنكّ طالب صارم وجاد زيادة عن اللزوم. لذلك، رجوت زميلة كنت أراها تشاركك في بعض نشاطات اتحاد الطلبة أنْ تستعير دفترك وتعطيني إياه، بعد أن أخذتُ عليها عهداً بأن تخفي السر. لقد أفدت من دفترك كثيراً، وساعدني بالفعل في رفع علاماتي في تلك المادة".
ابتسمتْ من خلف قناع الغزال، وتابعت:
"وها أنا أشكرك، ربما بعد عام كامل على تلك الحادثة".
ثم رمت جملة عابرة تنم بوضوح عن رغبة مبطنة في التواصل. كانت تقف بمحاذاتي، توازت قامتانا تقريباً، مما سهّل عليّ أن أشم عبق عطرها الذي بدا ساحراً في تلك اللحظة.
شكرتها على إطرائها، ولم تفُتني الفرصة لألمح، بشيء من الدعابة، إلى "جبنها" في تجنب مواجهتي آنذاك. ثم نظرتُ في عينيها من خلال ثقبي القناع وقلت مبتسماً:
"وجهي أمامك مكشوف، ووجهكِ مختبئ خلف غزال.. من أنتِ؟"
ردت:
معقول لم تميز صوتي؟
قلت:
"صوتك جميل، ولكني لم أسمعه يحادثني عن قرب."
تراجعت خطوة إلى الوراء. أدارت ظهرها، ومضت لتتوه بين جموع المتنكرين.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. كواليس حفل أم كلثوم بباريس: يهودي قام بتنظيمه ونجم فرنسي أشه
.. نسخة جديدة وسحر قديم من فيلم الـ Moana في #الريفيو مع #لميس_
.. لازم البروديوسر يوفر علشان يكون ناجح؟ أميرة إسماعيل تتحدث عن
.. بودكاست 10452 | المخرج والكاتب شربل خليل
.. عن كواليس عملية الإنتاج الفني وتجهيزات الاعمال السينمائية وا