الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الفرق بين القراءة الاقتصادية والتحليل الاقتصادي
سهام يوسف علي
2026 / 5 / 20الادارة و الاقتصاد
في السنوات الأخيرة، أصبح الحديث عن الاقتصاد أكثر انتشاراً في الفضاء العام، ولم يعد مقتصراً على الأكاديميين والمتخصصين. وهذا أمر صحي في جانب منه، لأن الاقتصاد لم يعد علماً نظرياً معزولاً، بل تحول إلى قضية تمس حياة الناس اليومية بشكل مباشر؛ من الأسعار والبطالة إلى الرواتب وسعر الصرف والخدمات.
لكن مع هذا الاتساع في الاهتمام، ظهرت أيضاً فجوة واضحة بين الحديث عن الاقتصاد والتحليل الاقتصادي بالمعنى المهني المتخصص.
فكثير من الطروحات التي تبدو متماسكة ومنظمة في ظاهرها، تعكس في حقيقتها طريقة تفكير إدارية أو هندسية أكثر من كونها معالجة اقتصادية عميقة. والفرق هنا لا يتعلق بالذكاء أو الثقافة العامة، بل بطبيعة المنهج الذي ينظر من خلاله كل تخصص إلى المشكلات.
المهندس بطبيعته يميل إلى التفكير الخطي والمنظم: تحديد المشكلة، جمع البيانات، قياس الفجوة، وضع هدف، ثم تصميم مسار للوصول إلى النتيجة المطلوبة. ولهذا نجد أن كثيراً من الطروحات غير الاقتصادية تركّز على: المؤشرات الرقمية، المستهدفات، التخطيط، كفاءة التنفيذ،المتابعة والتقييم.
وهي أدوات مهمة بلا شك، بل إن الاقتصاد الحديث نفسه يستخدمها. لكن المشكلة تبدأ حين يُنظر إلى الاقتصاد باعتباره منظومة يمكن ضبطها تقنياً بالطريقة نفسها التي تُدار بها المشاريع الهندسية أو الإدارية.
فالاقتصاد ليس ماكينة ميكانيكية تعمل وفق معادلات ثابتة، بل نظام اجتماعي شديد التعقيد، يتداخل فيه:السلوك البشري، السياسة، الثقة، الثقافة، التوقعات، المؤسسات،وحتى الأزمات الجيوسياسية.
ولهذا السبب، فإن الاقتصادي المتخصص لا يكتفي بقراءة المؤشرات، بل يحاول فهم ما وراءها.
فعندما يرى ارتفاع الناتج المحلي مثلاً، لا يسأل فقط ، كم بلغ النمو؟، بل يسأل:ما مصدر هذا النمو هل هو نمو إنتاجي أم ريعي؟هل خلق وظائف حقيقية؟هل انعكس على الدخل الفردي؟
هل هو مستدام أم مؤقت؟
وعندما يرى انخفاض البطالة، لا يعتبر ذلك نجاحاً تلقائياً، لأنه يدرك أن بعض الاقتصادات قد تخفض البطالة عبر التوظيف الحكومي غير المنتج أو عبر التوسع الريعي، دون أن يعني ذلك وجود اقتصاد صحي.
وكذلك التضخم؛ فليس كل تضخم دليلاً على النشاط الاقتصادي، وليس كل انخفاض في التضخم دليلاً على الاستقرار. أحياناً يكون انخفاض التضخم نتيجة ركود وضعف طلب وانكماش اقتصادي.
هذه الزاوية التحليلية هي ما يميز الاقتصادي عن غيره.
الاقتصادي لا ينظر فقط إلى النتيجة، بل إلى:بنية الاقتصاد،طبيعة الحوافز، كفاءة المؤسسات، مصادر التمويل، التشوهات الهيكلية، العلاقة بين السياسة المالية والنقدية، وطبيعة السوق نفسها.
وفي الاقتصادات الريعية تحديداً، مثل العراق، تصبح هذه الفوارق أكثر أهمية. لأن المؤشرات التقليدية قد تكون مضللة أحياناً.
فقد يبدو الناتج المحلي مرتفعاً بسبب أسعار النفط، بينما يبقى الاقتصاد الحقيقي ضعيفاً. وقد تبدو البطالة منخفضة بسبب التوظيف الحكومي، بينما تتراجع الإنتاجية الفعلية. وقد يستقر سعر الصرف ظاهرياً، بينما يتآكل النشاط الاقتصادي الحقيقي في الداخل.
لذلك فإن التحليل الاقتصادي الحقيقي لا يكتفي بالشعارات العامة مثل: الإصلاح الاقتصادي أو تحسين مستوى المعيشة أو تنويع الاقتصاد.
بل يحاول الإجابة عن أسئلة أكثر تعقيداً:ما نوع الاقتصاد الذي نريده؟ ما القطاعات القادرة فعلاً على خلق قيمة مضافة؟ كيف نعيد توجيه الإنفاق؟ ما حجم الدولة المناسب؟ كيف نبني قطاعاً خاصاً منتجاً؟وما الكلفة الاجتماعية والسياسية لكل قرار اقتصادي؟
وهنا يظهر الفرق الحقيقي بين من يتحدث عن الاقتصاد ومن يفكر اقتصادياً.
فالاقتصاد ليس مجرد جداول ومؤشرات وأرقام، بل علم يبحث في كيفية إدارة الندرة داخل مجتمع مليء بالمصالح والتناقضات والقيود.
ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو اختزال الاقتصاد في وصفات تقنية مبسطة، أو التعامل معه باعتباره مشكلة يمكن حلها بمجرد وضع أهداف رقمية وخطط تنفيذية.
فالاقتصاد في النهاية ليس مشروعاً هندسياً مغلقاً ، بل كائن حي يتغير باستمرار، ويتأثر بالإنسان قبل الأرقام.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. قراءة اقتصادية.. ما الأبعاد الاقتصادية لتوقف الحركة في مضيق
.. أوروبا اليوم: القارة عند منعطف اقتصادي مع تصاعد التوترات الع
.. كيف أثر رفع الحظر الأمريكي على صادرات النفط الإيرانية؟
.. النيتو في أنقرة.. تحديات التمويل العسكري وفجوة الإنتاج الدفا
.. نجيب ساويرس في أجرأ تصريحاته: الذهب يتأرجح ووضع الدولار يتغي