الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الكورد بين لوزان والأزمة السورية: هل يتكرر التاريخ؟

مروان فلو

2026 / 5 / 20
القضية الكردية


تُعدّ القضية الكوردية من أكثر قضايا الشرق الأوسط تعقيداً بعد الحرب العالمية الأولى. فالكورد، رغم امتلاكهم أرضاً تاريخية وهوية قومية ولغة خاصة وتعداداً سكانياً كبيراً، حُرموا من إقامة دولة مستقلة بينما حصلت شعوب أقل عدداً على دولها القومية بعد سقوط الدولة العثمانية.

في البداية، فتحت معاهدة سيفر عام 1920 الباب أمام احتمال قيام كيان كوردي مستقل عبر مواد نصّت على حكم ذاتي قد يقود لاحقاً إلى الاستقلال. لكن صعود الحركة الكمالية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك غيّر المعادلة، إذ اعتبرت تركيا أن أي دولة كوردية ستؤدي إلى تفكيك الأناضول. وبعد انتصار الحركة الكمالية، جاءت معاهدة لوزان عام 1923 لتلغي عملياً أي اعتراف دولي بالحقوق القومية للكورد.

لم يكن السبب الحقيقي وراء رفض الدولة الكوردية غياب المقومات، بل تلاقي مصالح دولية وإقليمية خشيت من إعادة رسم خرائط المنطقة. فبريطانيا أرادت الحفاظ على العراق موحداً بسبب النفط، وتركيا رفضت أي كيان كوردي قرب حدودها، وفرنسا فضّلت دولة سورية مركزية يسهل التحكم بها، بينما خشيت إيران من انتقال النزعة القومية إلى كوردها.

وفي سوريا تحديداً، ظهر الخطاب المعادي للكورد مبكراً، حتى قبل وصول حزب البعث. فقد تبنت بعض النخب القومية العربية فكرة تعريب الشمال السوري لمنع التواصل بين كورد سوريا وكورد تركيا. كما لعبت الصحافة دوراً مهماً في ترسيخ صورة “الكوردي الانفصالي”، ومن الأمثلة البارزة صحيفة “البريد السوري” التي نشرت عنواناً يقول: “الأكراد يحلمون بإنشاء إمبراطورية تمتد من شمال إيران إلى ميناء الإسكندرونة”.

هذا الخطاب مهّد لاحقاً لسياسات رسمية مثل الإحصاء الاستثنائي في الحسكة عام 1962، والحزام العربي، ومنع التعليم باللغة الكوردية، وهي إجراءات هدفت إلى إضعاف الهوية الكوردية وإعادة تشكيل البنية الديموغرافية في الشمال السوري.

أما اليوم، فقد أعادت الحرب السورية إحياء القضية الكوردية بقوة. إذ استطاعت القوى الكوردية فرض إدارة ذاتية في شمال شرق سوريا، لكن ذلك أثار مخاوف تركيا التي ترى في أي كيان كوردي قرب حدودها تهديداً مباشراً لأمنها القومي. وفي المقابل تصر دمشق على استعادة السلطة المركزية على كامل البلاد، بينما تسعى القوى الكوردية إلى ضمان اعتراف دستوري بحقوقها ضمن سوريا موحدة.

ورغم استمرار التوتر، فإن المشهد الحالي يختلف عن مرحلة ما بعد لوزان. فالقضية الكوردية أصبحت اليوم أكثر حضوراً دولياً، كما أن فكرة الإنكار الكامل لم تعد قابلة للاستمرار كما في القرن الماضي. ومع ذلك، فإن خطر تكرار المأساة ما يزال قائماً إذا استمرت الأطراف الإقليمية في التعامل مع الكورد كملف أمني لا كشريك سياسي.

إن الحل الحقيقي لا يكمن في التقسيم أو الإلغاء، بل في بناء دولة تعترف بالتعدد القومي والثقافي، وتمنح جميع مكوناتها حقوقاً متساوية. فالتاريخ أثبت أن إنكار الهويات لا يصنع استقراراً دائماً، بل يؤجل الأزمات إلى مراحل أكثر خطورة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. منظمة حقوقية تقاضي ترمب بسبب التستر على -جرائم إسرائيل-


.. ما السياسة التي تنتهجها القوى الغربية تجاه الانتهاكات الإسرا




.. جرائم سجون الاحتلال ضد الأسرى و-ازدواجية المعايير الدولية-..


.. خارج الصندوق | حماس في مواجهة الأمم المتحدة.. من يعرقل وصول




.. حكم غيابي بإعدام لحميدتي.. هل تنهار قوات الدعم السريع أم تتع