الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


. موازينُ الطين.. وموازينُ الأرقام. من رواية تحت الطبع

سعاد الراعي
كاتبة وناقدة

(Suad Alraee)

2026 / 5 / 20
الادب والفن


. موازينُ الطين.. وموازينُ الأرقام

أولاً: تحت هجير المواجهة
لم تكن شمس ذلك الصباح كعهد الجيران بها؛ إذ أشرقت بوهجٍ نحاسيّ ثقيل، كأنها عينٌ كونية زجاجية ترقبُ أنفاسهم المتحفزة وتستحثّ خطاهم نحو المجهول.
احتشدوا جميعًا أمام مبنى البلدية؛ ذلك الهيكل الخرساني البارد الذي ينتصب بصلفٍ كصخرةٍ عاتية ظنّت في غروها أنها ستحبس مجرى النهر أو تئد صوت الحقيقة.
لم يكونوا يومها غوغاءً ثائرين، بل كانوا كتلةً من الهدوء المتفجر، يسبقهم وقارُ المظلوم الذي استنفد صبره.
كانت يافطاتهم التي خُطت بأيدٍ ترتعشُ حبًا لا وجلًا، تبدو كاستغاثاتٍ موثقة تصرخ في وجه الصمت المطبق:
"بيوتنا أرحامنا.. فلا تقتلعوا الأجنة من أحشائها"
"عرقُ الآباء لا تشتريه صفقاتُ الغرباء"
تجلى المشهدُ في سرياليةٍ مهيبة؛ تلك الوجوه التي ألِفْها الناسُ خلف صمت الجدران وسكينة الأزقة، انبعثت اليوم تحت الضوء الكاشف بملامح قديسين كادحين، استحال شقاؤهم نورًا يطاردُ دياجير الظلم الذي فرض عليهم.
لم يكونوا وحدهم في الميدان، بل احتضنتهم جموعٌ من مواطني الأحياء الأخرى، في مشهدٍ جسّد وحدة الروح والمصير، وصهر المدينةَ كلَّها في بوتقة تضامنٍ لا تلين.
تصدّر المشهد العم أبو عواد، متكئًا على عصاه الأبنوسية التي تحولت في النواظر إلى رمحٍ طرواديّ يغرس سنانه في قلب الباطل.
كانت عيناه تلمعان ببريق من أبصر بيته يُهدم في كوابيسه ألف مرة، فانتفض في يقظته ليمنع الكابوس من تلويث الواقع.
حين انفتحت البوابات الحديدية الضخمة بصريرٍ كئيب، سلم المحامي العريضة الممهورة بتواقيع الوجع، ثم تسللوا بوقار إلى قاعة الانتظار الفارهة، حيث كان الصمت الرخامي يمتص ضجيج صدورهم المتعبة.
بعد ساعةٍ من الترقب المرّ، خرج موظفٌ بملامح حيادية باردة ليقترح عليهم مسار التقاضي... لان البلدية لا تمتلك صلاحية البت في القضية
لم يترددوا لحظة واحدة، فقد كان قرارهم قد نضج واستوى تحت شمس الاحتجاج اللاهبة. توجهوا فورًا إلى منظمة محامي حقوق المجتمع المدني، وهناك استقبلهم فرسانُ الحق بصدورٍ مفتوحة، مشكلين فريقًا دفاعيًا قويًا.
شعروا لأول مرة أنهم ليسوا وحدهم في هذا العراء.
دُوّنت المظلمةُ رسميًا ضد الخصم الذي غدا مَعلومًا لا لَبس فيه، ولم تعد تنطلي على أحدٍ حِيَلُه في التخفي خلف قناع الآفة أو الترهيب.
وحين حمل المحامون أمانةَ القضية إلى أروقة المحكمة، كانت تلك الإشارةَ المعلنة لانبلاج فجر الحقيقة، وبدايةَ فصلٍ حاسم يضعُ ميثاقَ الأرض في كفّة العدالة.

ثانياً: في حضرة العدالة
داخل قاعة المحكمة، استقبلهم بريقُ الرخام المصقول ببرودةٍ جارحة تمسُّ العصب العاري.
هناك، كان الخصومُ يجلسون بخيلاءٍ خلف نظاراتهم القاتمة التي تخفي عيونًا لا ترحم؛ يفوح منهم عفونة الصفحات المريبة وغلظة القلوب التي صُنعت من "أرقامٍ صماء"، بينما عُجنت قلوب أبناء الحي من "طينِ الأرض وعطر الذكريات".
اعتلى محامي الفريق المنصة، ولم يكن ينطق بلسان "المواد والفقرات" القانونية الباردة فحسب، بل كان يستلُّ من حنجرته "زفرات المحلة" ليقذفها في وجه الصمت المريب ببيانٍ يقطر جزالةً:
"إننا يا سادة، لا نحاكم هنا مجرد شركة عقارية يتملكها الجشع، بل نحن هنا لنحمي المعنى من تغول المادة . هؤلاء السكان ليسوا عقباتٍ مساحية في مخططاتكم، بل هم حراسُ الذاكرة وحملةُ أمانة التراب.
فكيف يستقيم عدلٌ حين يقتلع طفلًا من مهده ليُعلي ناطحة سحاب صماء لا قلب لها؟"
كانت الكلمات تتردد في جنبات القاعة كأنها رعدٌ في ليلةٍ شاتية.
ثم جاءت اللحظة التي حبست الأنفاس؛ حين تقدمت ياسمين الصغيرة، بصحبة رفاقها الأطفال شهودًا.
وقفت ياسمين كعصفورٍ يلتمس الطيران، وببراءةٍ عفوية، مدّت يدها الصغيرة لتريهم "الكيس اللعين" الذي يحمل ذرات الموت السوداء، وبقايا "الحلوى المسمومة"، وتلك القطع النقدية التي أُريد لها أن تكون ثمنًا رخيصًا لوأد أحلامها واقتلاع جذور بيتها، إضافة إلى نسخة من المنشور.
في تلك اللحظة، خيّم على القاعة صمتٌ حذرٌ ومهيب، استحال معه الرخام البارد مرآةً صقيلة تعكس خزي الباطل وانكسار الباغين.
شعر الجيران أن جدران القاعة ذاتها بدأت تتنفس معهم، وأن أرواح الآباء والأجداد قد حضرت لتقف صفًا واحداً خلفهم.
لم تكن تلك معركةً تُخاض بالنصال، بل كانت ملحمةً سلاحها "قوة البيان" و" حيوية الحجة" و"طهارة الموقف".
أدركوا في تلك الهنيهة أنهم، وإن كانوا قلةً في موازين القوة المادية، فإنهم "الأكثرية الساحقة" في موازين الحق والضمير.
نظروا إلى الخصوم، فإذا بنظاراتهم القاتمة لم تعد قادرة على حجب ارتعاد فرائصهم أمام طفلةٍ تحمل حقيقةً في كيس، ووطنًا في قلب.
لقد كانت ياسمين في تلك اللحظة هي المحامية، وهي الشاهدة، وهي القاضية التي أصدرت حكم التاريخ قبل أن ينطق به القاضي:
أن الأرض لمن عشقها، والبيوت لمن عمّرها بالحب، لا لمن أراد مقايضتها بحفنة من ذهبٍ زائف.
**
يتبع

ـــــــــ
*من رواية قيد الطبع








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تغطية خاصة | مسؤول أميركي لـ-رويترز-: واشنطن لا تزال ملتزمة


.. مسؤول أمريكي: استمرار المحادثات الفنية بين واشنطن وطهران




.. قصة ديكور غرفة العزل في فيلم -الفيل الأزرق- من محمد عطية مهن


.. مريم الأولي علي المدارس الفنية المتقدمة الصناعية نظام الخمس




.. اون سيت- فنانين مصر لو هيلعبوا كرة قدم هتبقى مراكزهم ايه????