الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


طالب الفزع… غاب الجسد وبقيت المقاسات شاهدة

كاظم الحناوي

2026 / 5 / 21
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


في مدينة لا تقاس ذاكرتها بالشوارع، بل بالوجوه التي جلست فيها طويلا، كان هناك رجل يختصر حكاية زمن كامل داخل دكانه الصغير.
لا لافتة كبيرة تشير إليه، ولا إعلان، لكنك تعرف أنك وصلت… حين ترى ابتسامته كدليل ترحيب، وصفحتك في دفتر القياس كأنها ابعاد لم تقرأ بعد..
عند دخولك الى مسرح عمله يفوح من أرجاء المكان عبق الماضي وتشاهد فيه الخيوط مرصوفة بأناقة وجمال لتروي قصة عشق للمهنة لعشرات السنين في خياطة الملابس الرجالية في مدينة الخضر.
كان المرحوم طالب الفزع يجلس في دكانه في الصوب الصغير ويغلق مدى الرؤيا امامه بداية جسر الهنود (قبل رفعه)، ويخيط بيديه الماهرتين اللتين أثرت فيهما السنوات شكلا ولم تؤثر فيهما مضمونا ويختصر بهما كل الحكاية، ويتلمس القماش الذي يوشك أن يحوله الى تحفة في تصميم الدشاديش لتجسد مهارة الخياط الأصيل. وفي كل (طول) من القماش بعد ان تختار لون دشداشتك، يحكي الحاج طالب قصة من قصص الثقافة المحلية التي تستأنس بها عند زيارته، فالرجل بمنتهى الإحساس والرقة والإبداع لينقل لك حكاية طريفة او موقف من الحياة اليومية في المدينة.
هنا، كان يجلس المرحوم طالب الفزع. ليس مجرد خياط يمر عليه الناس ليفصلوا دشاديشهم، بل شاهد صامت على تحولات المدينة، وذاكرة حية تخاط بالإبرة، وتقاس بالمواعيد، وتحفظ في تفاصيل لا يلاحظها إلا من عاشها…
قلت له خياطتك تشبه العلامة التجارية وتختلف عن الاخرين:
عندها رفع عيناه من الدشداشة ورفع رجله من دواسة ماكنة الخياطة…
اجابني: لقد كان لي ما يشابه ذلك هذا ما يكرره الزبائن، حيث اشتهرت خياطتي في أسواق الخضر وخارجها، كان هذا داعي فخر لي مضيفا:
كان بودي ان اصنع تفاصيل ونقوش ولكنها من الصعب ان تتداول في مجتمع مدينة الملتزم بالدشاديش التراثية.
بالنسبة لي انا كاظم الحناوي كنت أحد زيائنه الدائمين الذين يحرصون على شراء القماش وخياطته من الحاج طالب واتذكر مشهد الدشاديش المعلقة في أرجاء المحل، وأهم نقطة سألته عنها يوما دقة مواعيده في التسليم ايام المناسبات والاعياد والتي لا يلتزم فيها الكثيرون قال: أن هذا ما نفتخر ونفاخر به ويجب علينا أن نعلم الأجيال الشابة ونغرس فيها الصدق في المواعيد كحرصنا على ما تعلمناه من الآباء والأجداد في المناسبات والاحتفالات لكي يعلموها للأجيال من بعدهم. ويتميز أسلوب طالب الفزع في الخياطة بمبادئ فنية دقيقة من خلال تناسق هندسة الأشكال وكذلك النوع المناسب للقماش وما الذي يحتاجه من إضافة بعض التفاصيل إليه.
إنتاجه الجميل من الدشاديش التي تلبس بالمنطقة في كل محفل، ولتبقى خياطة الدشداشة رحلة إبداعية تصنع الجمال في حياة كل من يرتديها.
في زمنٍ تغيرت فيه المهن، وباتت السرعة بديلا عن الإتقان، بقي هو يعمل على إيقاع مختلف… إيقاع يعرف أن القماش ليس مجرد قطعة تقص بل علاقة تبنى بين يد تعرف وذاكرة لا تخون.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نقاش الساعة - الضربات الأمريكية المتكررة على إيران استنزاف ع


.. نقاش الساعة - أمن الخليج بين التصعيد الأمريكي الإيراني وخيار




.. نقاش الساعة - انفراد أمريكا بقرار الحرب يحمل حلفاءها بالمنطق


.. نقاش الساعة | التصعيد الأمريكي الإيراني يهدد هرمز ويعقد فرص




.. طهران تثبت سيطرتها على هرمز والحرس الثوري يهدد القواعد الأمر