الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
أسباب الكراهية بين السنة والشيعة: دراسة تاريخية واجتماعية
جعفر حيدر
2026 / 5 / 21الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
بعد سقوط النظام السابق في العراق دخل البلد في مرحلة صعبة جداً من الناحية السياسية والاجتماعية والطائفية، وصارت هناك حالة خوف وانعدام ثقة بين مكونات المجتمع، خصوصاً بين الشيعة والسنة، ومع مرور السنوات بدأت الجماعات المتطرفة تستغل هذا الانقسام حتى تكبر الفتنة وتحوّل الخلافات السياسية إلى كره اجتماعي وشعبي بين الناس، ومن أكثر الأحداث التي أثرت على العلاقة بين الشيعة والسنة في العراق هي أحداث تنظيم داعش، لأن هذا التنظيم لم يكن مجرد جماعة مسلحة عادية بل كان يعتمد على خطاب طائفي متشدد ويستخدم الدين لتبرير القتل والتفجير والذبح، ولهذا السبب تشكلت عند كثير من الشيعة صورة سلبية تجاه أهل السنة بسبب أن داعش كان يدّعي أنه يمثل السنة رغم أن الحقيقة كانت مختلفة، لأن أغلب أهل السنة أنفسهم تضرروا من داعش وقتل منهم الآلاف أيضاً.
عندما دخل داعش إلى الموصل وبعض المناطق العراقية حدثت صدمة كبيرة داخل المجتمع الشيعي، لأن التنظيم ارتكب مجازر بشعة جداً مثل مجزرة سبايكر التي قتل فيها مئات الشباب الشيعة بدم بارد، إضافة إلى التفجيرات التي كانت تضرب الأسواق والمراقد والمناطق الشعبية، وكل هذه الأحداث خلقت حالة غضب كبيرة داخل الشارع الشيعي، ومع الوقت صار بعض الناس يربطون بين داعش وبين الطائفة السنية بشكل عام، رغم أن هذا التعميم غير صحيح، لأن التنظيم كان يستهدف كل من يخالفه حتى من السنة أنفسهم، لكن الإنسان عندما يعيش سنوات من الخوف والتفجيرات وفقدان الأقارب يبدأ بالتأثر نفسياً وتصبح نظرته أكثر قسوة تجاه الطرف الذي يعتقد أنه قريب من الجهة التي سببت له الألم.
الكثير من الشيعة كانوا يسألون لماذا ظهر داعش في مناطق سنية؟ ولماذا كان بعض الناس هناك متعاطفين معه في البداية؟ وهذه الأسئلة زادت من الشك والكراهية عند البعض، خصوصاً مع انتشار الفيديوهات الطائفية وخطابات التحريض في مواقع التواصل والقنوات الإعلامية، فأصبح الخطاب الطائفي يومياً تقريباً، وكل جهة تتهم الأخرى بالخيانة أو الإرهاب أو العمالة، ومع غياب التوعية الحقيقية صار الشباب يتأثرون بسرعة بالكلام المتشدد، وبدل أن يفهموا أن المشكلة سياسية وفكرية صاروا يعتقدون أن المشكلة موجودة بين المذاهب نفسها.
لكن إذا نظرنا للموضوع بشكل أوسع سنجد أن داعش لم يكن مرتبطاً بالعراق فقط، بل ظهر في دول كثيرة حتى الدول السنية نفسها، ومثال على ذلك مصر، فمصر دولة أغلب سكانها من السنة ومع هذا ظهر فيها تنظيم داعش في سيناء ونفذ عمليات ضد الجيش والمدنيين وحتى ضد مساجد للمسلمين السنة أنفسهم، وهذا يثبت أن التطرف لا يخص مذهباً معيناً، لأن الجماعات المتشددة تستغل الفقر والجهل والحروب والفوضى حتى تنشر أفكارها، ولذلك لا يمكن القول إن كل السنة مع داعش، مثلما لا يمكن القول إن كل الشيعة يمثلون جماعات مسلحة معينة، فالتعميم دائماً يظلم الأبرياء.
ومن الأمثلة أيضاً أن هناك عشائر سنية عراقية قاتلت داعش وقدمت قتلى ضده، وهناك مدن سنية تضررت بشكل هائل بسبب سيطرة التنظيم عليها، فالفلوجة والموصل والرمادي وغيرها تعرضت للدمار وخسر أهلها بيوتهم وأرزاقهم، وحتى كثير من رجال الدين السنة أعلنوا رفضهم لداعش ووصفوه بأنه تنظيم منحرف ومتطرف ولا يمثل الإسلام، لكن المشكلة أن صور العنف تبقى أقوى في ذاكرة الناس من صور التعايش، ولهذا بقيت مشاعر الخوف والكره موجودة عند بعض الشيعة حتى بعد انتهاء الحرب.
ومن جهة أخرى يوجد أيضاً بعض السنة الذين أصبح لديهم خوف أو كره تجاه الشيعة بسبب ما حصل بعد الحرب، لأن بعض الفصائل المسلحة ارتكبت تجاوزات في بعض المناطق، وبعض السنة شعروا بأنهم متهمون فقط بسبب مذهبهم، وهذا أدى إلى زيادة الاحتقان بين الطرفين، بمعنى اصح ان الكراهية لم تكن من جهة واحدة فقط، بل كانت نتيجة سنوات طويلة من الدم والخوف والدعاية الطائفية والانقسام السياسي، وكل طرف كان يحمل روايته الخاصة عن الظلم الذي تعرض له.
الإعلام أيضاً لعب دوراً خطيراً جداً، لأن كثيراً من القنوات والصفحات كانت تنشر مقاطع تحريضية وتستخدم لغة طائفية، فصار الإنسان يسمع يومياً كلاماً عن الخيانة والثأر والانتقام، ومع كثرة هذا الخطاب بدأت الهوية الطائفية تصبح أقوى من الهوية الوطنية، وهذا الشيء أثر على المجتمع العراقي بشكل كبير، لأن الناس بدلاً من أن يروا أنفسهم شعباً واحداً صاروا يفكرون بمنطق الشيعي والسني، وهذه من أخطر النتائج التي خلفتها الحرب مع داعش.
ورغم كل ذلك يبقى الواقع مختلفاً عن الصورة الموجودة في الإنترنت، لأن هناك ملايين الشيعة والسنة يعيشون مع بعض بشكل طبيعي، بينهم زواج وصداقة وعمل وجيرة، وكثير من العراقيين تعبوا من الطائفية ويريدون فقط حياة مستقرة بدون حروب وخوف، وحتى أثناء فترة داعش كان هناك سنة يحمون جيرانهم الشيعة وشيعة يساعدون عوائل سنية نازحة، وهذه المواقف الإنسانية تثبت أن الكراهية ليست طبيعة ثابتة عند الناس بل هي نتيجة ظروف قاسية عاشها المجتمع.
وفي النهاية يمكن القول إن أحداث داعش تركت جرحاً عميقاً داخل العراق وأثرت على العلاقة بين الشيعة والسنة بشكل واضح، لكن ربط الإرهاب بمذهب كامل يعتبر خطأ كبيراً، لأن التطرف يمكن أن يظهر في أي مجتمع إذا توفرت له ظروف الفوضى والتحريض والكراهية، وما حدث في مصر وسوريا والعراق ودول أخرى يثبت أن الإرهاب لا يمثل طائفة معينة بل يمثل فكراً متشدداً يستغل الدين لتحقيق أهدافه، ولذلك فإن الحل الحقيقي لا يكون بزيادة الكراهية وإنما ببناء وعي يفصل بين الناس الأبرياء وبين الجماعات المتطرفة، لأن أي مجتمع يدخل في دائرة التعميم والكراهية سيبقى يعيش نفس المآسي من جديد.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. إسبانيا: حرائق تلتهم آلاف الهكتارات وسط ارتفاع حاد في درجات
.. بوشهر في مرمى التصعيد.. ضربة أمريكية قرب المنشأة النووية وإي
.. جهود متواصلة لخفض التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران
.. مراحل تحول هرمز إلى ساحة اختبار بين الولايات المتحدة وإيران
.. وثائق تكشف شرط الجيش السوداني للموافقة على مقترح السلام