الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
حين كان الحلم أكبر من العالم
أكرم شلغين
2026 / 5 / 21اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
ثمة أجيال لا يمكن فهمها خارج سياق الحلم، وجيلنا كان واحدًا من تلك الأجيال التي عاشت على الحلم أكثر مما عاشت على الواقع. كنا أبناء مرحلة أعقبت تلك التي خرجت لتوّها من الاستعمار، محمّلة بخطب كبرى عن النهضة والوحدة والحرية والاشتراكية والإنسان الجديد. وكانت كلمة "الثورة" نفسها تحمل سحرا يكاد يكون دينيا؛ كأنها المفتاح السحري الذي سيقودنا دفعة واحدة إلى العدالة والحداثة والكرامة. لم نكن نرى العالم بوصفه شبكة معقدة من المصالح والقوى، بل بوصفه مسرحا أخلاقيا بسيطا: شعوب تقدّمت لأنها امتلكت الثورة، وأخرى بقيت متأخرة لأنها لم تحققها بعد.
أتذكر كيف كنا نتصفح مجلة “بلاد السوفييت” بشيء يشبه الدهشة الطفولية. كان الورق الأبيض المصقول وحده يبدو قادما من عالم آخر. الصور: شوارع نظيفة، عمارات شاهقة، عمّال يبتسمون، نساء يحملن الكتب، أطفال بملابس أنيقة، مصانع، جرارات، جامعات، علماء… وكأن الاشتراكية لم تكن مجرد نظام اقتصادي، بل وعدا بالخلاص الإنساني الكامل. وكنا نقرأ "بناء الصين" بالطريقة نفسها، ونلتهم الكتب الرخيصة الثمن التي تصلنا كأنها رسائل سرية من المستقبل: "كيف سُقينا الفولاذ"، "الدولة والثورة"، "ما العمل؟"، "البيان الشيوعي"، "عشرة أيام هزت العالم"، ويوميات غيفارا في بوليفيا. لم تكن تلك الكتب مجرد معرفة، بل كانت تمنحنا شعورا بالانتماء إلى"سرّ تاريخي" أكبر من حياتنا الصغيرة والهامشية.
وكان العائدون من الاتحاد السوفييتي وبلغاريا ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا يحدثوننا عن عالم بدا أقرب إلى الخيال: تعليم، تقدم، طبابة، نظام، مواصلات، احترام للقانون، ومدن لا يشبه غبارها غبارنا، ولا علاقة الدولة فيها بالإنسان علاقتنا المرتبكة والموجوعة بالدولة. بالنسبة إلينا، لم تكن تلك البلاد مجرد نماذج سياسية، بل كانت تمثل إمكانية أخرى للوجود نفسه؛ إمكانية أن يعيش الإنسان بكرامة داخل دولة لا تعامل مواطنيها بوصفهم عبئا أو رعايا خائفين.
لكننا لم نكن نفهم شيئا أساسيا: أن العالم لا يتحرك باحتجاج خروتشوف بخبط حذائه على منضدة الاتحاد السوفييتي في الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك...ولا بالعواطف وحدها، ولا تدار السياسة فيه بوصفها مسألة أخلاقية خالصة. لم نكن نعرف كيف تتحرك الأمم الكبرى، ولا كيف تُرسم خرائط النفوذ والمصالح، ولا أن الدول الصغيرة كثيرا ما تجد نفسها مجرد تفصيل هامشي داخل لعبة أكبر منها بما لا يُقاس. كنا نتصور أن الإرادة وحدها تكفي، وأن مجموعة من الحالمين تستطيع تغيير التاريخ متى شاءت، بينما كانت "لعبة الأمم" تُدار في أماكن بعيدة، وفق موازين قوة لا ترى في أحلامنا أكثر من ضجيج صغير على الهامش.
من الناحية النفسية، كان جيلنا يعيش ما يمكن تسميته "فخ المركز المتخيَّل". لم نعش الحداثة فعليا، بل استهلكناها عبر الصور والكتب والخطابات. كنا نقرأ عن صناعة الفولاذ والثورة البلشفية فنشعر، بطريقة لا واعية، أننا قادرون على تكرار التجربة ذاتها. كانت المعرفة النظرية تمنحنا وهم القدرة العملية، وكأن قراءة "الدولة والثورة" أو "ما العمل؟" تعني امتلاك مفاتيح التاريخ. لم نكن ندرك أن تلك النصوص وُلدت في سياقات مختلفة تماما، وأن أصحابها أنفسهم كانوا جزءا من صراعات دولية وإمبراطوريات وموازين قوى، لا مجرد حالمين معزولين يحملون كتبا في غرف ضيقة.
كما أن ذلك الحلم الثوري لبّى حاجة نفسية عميقة لدى جيل خرج من الاستعمار مثقلا بالإحساس بالنقص والتأخر. فجأة، لم نعد مجرد شعوب مهزومة أو متخلفة، بل أصبحنا جزءًا من "حركة تحرر عالمية". كان ذلك التحول من موقع الضحية إلى موقع الفاعل الرمزي مُشبعا نفسيا إلى حد بعيد. وربما يعيننا هنا ما قاله إريك فروم في "الهروب من الحرية" حين أشار إلى ميل الإنسان، في لحظات القلق والاغتراب، إلى الارتماء في أيديولوجيات شمولية تمنحه اليقين والانتماء والمعنى.
لكن المشكلة الكبرى لم تكن في الحلم نفسه، بل في سوء فهمنا لطبيعة العالم. ومرة أخرى أكررها، لقد اعتقدنا أن الثورة تصنعها مجموعة صغيرة من المثقفين المخلصين، أو حزب طليعي، أو انتفاضة شعبية عفوية، بينما كانت السلطة الدولية تتحرك وفق اقتصاد وجيوش وتحالفات وأسواق وشركات ومصالح هائلة. كنا نقرأ "عشرة أيام هزت العالم"، لكننا لم نسأل أنفسنا: لماذا استطاعت روسيا أن تهز العالم أصلا؟ لماذا نجحت الصين أو فيتنام أو كوبا في فرض حضورها؟ لم يكن الأمر متعلقا فقط بالنقاء الثوري أو البطولة الفردية، بل أيضا بالحجم السكاني، والجغرافيا، والموارد، والتوازنات الدولية، واللحظة التاريخية المناسبة.
أما نحن، أبناء البلدان الصغيرة الخارجة حديثا من الاستعمار، فلم نكن نعرف حجمنا الحقيقي على خريطة القوى الدولية. كانت تلك، ربما، واحدة من أكثر الصدمات قسوة: أن تكتشف متأخرا أن التاريخ لا يتحرك وفقا لرغباتك، وأن البطولة الفردية لا تكفي لتغيير مصائر الشعوب. كنا نظن أنفسنا مركز العالم، بينما كنا بالكاد نُرى على خرائط القوى الكبرى.، وعلى هامش كل ما هو فاعل في الساحة الدولية.
ثم جاء الثمن الباهظ. دخل بعضنا السجون، ومات بعضنا في المنافي، وضاعت أعمار كاملة بين الحلم والهزيمة والانتظار. دفعت أجيال كثيرة أثمانا نفسية وسياسية وإنسانية هائلة، ومع ذلك لم نصل إلى ذلك العالم الذي تخيلناه ونحن نقرأ الكتب الثورية تحت ضوء خافت، أو نستمع بحماسة إلى حكايات العائدين من الشرق البعيد. وعندما يتحطم حلم جماعي بهذا الحجم، فإنه لا يتحطم في الفراغ، بل يترك وراءه خيبة مزمنة، وانقساما في الذاكرة، وأزمة هوية سياسية عميقة: إذا لم نكن "ثوارا" كما حلمنا، فمن نحن إذن؟
ومع مرور السنوات، بدأ يتكشف شيء مؤلم: أن كثيرا من أحلامنا لم يكن خاطئا من حيث النوايا، بل من حيث فهم العالم. ومن جديد أكررها لا جلدا للذات أو انتقادا لأحد بل من باب الكلام عن التجربة كما عشناها، لقد كنا رومانسيين أكثر مما ينبغي، واعتقدنا أن التاريخ يستجيب للنقاء الفكري والعواطف النبيلة، بينما كان التاريخ أكثر برودة ووحشية وتعقيدا مما تخيلناه. لكن، رغم كل شيء، لا أستطيع أن أسخر من ذلك الجيل أو أن أدينه. فالأمم لا تتقدم فقط بالنجاحات، بل أيضا بالأحلام التي تفشل. وربما كانت القيمة الحقيقية لذلك الجيل أنه حاول، وحلم، وآمن بأن الإنسان يستحق حياة أفضل، حتى وإن كانت أدواته محدودة، وحتى وإن كان العالم أكبر بكثير من قدرته على التغيير.
ربما كان الدرس الأقسى والأهم معا هو أن التغيير الحقيقي ليس حدثا دراماتيكيا واحدا، بل عملية طويلة وشاقة ومركبة، تحتاج إلى معرفة بالتاريخ والجغرافيا والاقتصاد والبنية الاجتماعية، بقدر ما تحتاج إلى الشجاعة والحلم. وربما لم نكن نعرف حجمنا في العالم يومها، لكننا نعرف اليوم أن الحجم لا يُقاس فقط بالقوة المادية، بل أيضا بالقدرة على التعلم من الألم، وإعادة بناء الحلم على أسس أكثر وعيا وأقل رومانسية. فهذا، في النهاية، ليس تراجعا عن الحلم، بل محاولة أخيرة لإنقاذ معناه.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. مسؤول أمريكي سابق يحدد شروط التوصل لاتفاق بشأن الملاحة في مض
.. السلطات الصحية في جمهورية الكونغو: ارتفاع عدد الوفيات الناجم
.. عاجل | الديوان الأميري القطري يعلن وفاة الأمير الوالد الشيخ
.. انفعال عسكري أم دفاع عن النفس؟.. سجال بشأن استهداف إيران لدو
.. إيران تجدد هجماتها على البحرين وقطر والإمارات والكويت