الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حرب أوكرانيا: هل تغيرت العقيدة العسكرية الروسية؟

زياد الزبيدي

2026 / 5 / 22
مواضيع وابحاث سياسية


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

22 أيار مايو 2026


في هذا التحليل، يتناول الكاتب الروسي روستيسلاف إيشينكو في مقاله المنشور بتاريخ 7 مايو 2026 على موقع Discred تصوّرًا تصعيديًا لمسار الحرب في أوكرانيا، مع التركيز على التحولات في العقيدة العملياتية الروسية، وتبدّل منطق إستهداف البنية التحتية، إضافة إلى البعد الرمزي والسياسي للضربات في عمق الجغرافيا الأوكرانية، خصوصًا في سياق الحرب الإعلامية الموازية للعمليات العسكرية.

المقال لا يقدّم سردًا عسكريًا تقليديًا بقدر ما يطرح رؤية إستراتيجية-تفسيرية تعتبر أن الحرب دخلت مرحلة جديدة من “إعادة تعريف الأهداف”، سواء على مستوى البنية التحتية المدنية أو طبيعة إدارة التصعيد مع كييف وحلفائها الغربيين.


أولًا: مركزية البعد الرمزي في إستهداف العمق الأوكراني

يرى الكاتب أن أي ضربات محتملة ضد مركز العاصمة كييف لا تُفهم فقط ضمن السياق العسكري المباشر، بل ضمن “حرب الرسائل” الموجهة إلى الرأي العام الداخلي والخارجي. ويؤكد أن القيمة الأساسية لهذه الضربات ليست ميدانية بل “إعلامية-نفسية”، إذ يقول إن تأثيرها على الجبهة لا يتناسب مع أثرها في الفضاء الدعائي والسياسي.

ويستند في ذلك إلى مثال سابق عندما أدى استهداف رمزي في محيط الكرملين إلى ضجة إعلامية دون تأثير عسكري مباشر، في إشارة إلى أن “الرمزية” أصبحت جزءًا من بنية الصراع.


ثانيًا: توسع مفهوم “الهدف العسكري” ليشمل البنية المدنية

أحد المحاور الأساسية في المقال هو التحول في تعريف “الهدف المشروع”. إذ يشير الكاتب إلى أن الضربات الروسية الأخيرة على منشآت في منطقة خاركوف، خصوصًا محطات الوقود، تُقدَّم بوصفها جزءًا من إعادة صياغة قانون الإستهداف، حيث يتم التعامل مع البنية التحتية المدنية عندما تُستخدم لأغراض عسكرية.

وينقل عن وزارة الدفاع الروسية مضمونًا مفاده أن أي منشأة مدنية “تُستخدم في الأغراض العسكرية تصبح هدفًا مشروعًا”، مع تحميل الطرف الأوكراني مسؤولية النتائج على السكان المدنيين. ويشير الكاتب إلى أن هذا التحول يعني عمليًا توسيع نطاق الحرب ليشمل كامل شبكة الحياة المدنية إذا تم توظيفها في العمليات القتالية.


ثالثًا: المدن كـ “حصون مدمّرة مسبقًا”

ينتقل التحليل إلى فكرة أكثر حدة، وهي أن المدن الأوكرانية لم تعد تُعامل كمساحات مدنية، بل كـ“مواقع قتال متكاملة”. ويطرح الكاتب أن نموذج المدن المحصنة، الذي إعتمدته القوات الأوكرانية، يؤدي إلى نتيجة شبه حتمية: تدمير البنية العمرانية تدريجيًا في حال إستمرار القتال.

ويؤكد أن هذا النمط لا يقتصر على منطقة دونباس، بل يمتد إلى مدن أكبر وأكثر تعقيدًا مثل خاركوف ومدن الجنوب والشرق، ما يجعل الحرب وفق هذا التصور أقرب إلى “حرب إستنزاف حضري شامل” بدلاً من معارك خطوط تقليدية.


رابعًا: فشل مسار التسوية السياسية التقليدية

في جزء مهم من المقال، يناقش الكاتب فكرة أن روسيا كانت تراهن في مراحل سابقة على تسوية سياسية غير مباشرة عبر أطراف دولية، وليس عبر كييف مباشرة. لكنه يخلص إلى أن هذا المسار تعطل بسبب رفض أوروبا الغربية والمملكة المتحدة الدخول في أي تسوية مع موسكو، مقابل إنفتاح أمريكي محدود على “تجميد الصراع” دون حله.

ويعتبر أن هذا الوضع أدى إلى إنهيار فكرة “المقايضة السياسية عبر أوكرانيا”، وبالتالي إنتقال الصراع من منطق التسوية إلى منطق الحسم التدريجي بالقوة.


خامسًا: إعادة تعريف الهدف النهائي للحرب

أحد أهم الإستنتاجات في المقال هو أن الهدف الروسي لم يعد مرتبطًا بالبحث عن شريك تفاوضي في كييف، بل بإعادة تشكيل الواقع الميداني نفسه. ويعبّر الكاتب عن ذلك بفكرة أن “السلطة في أوكرانيا لم تعد عنصرًا ضروريًا في معادلة التسوية”، ما يعني عمليًا تقليص أهمية البنية السياسية الأوكرانية لصالح النتائج الميدانية.

هذا التحول، وفق طرحه، يرفع مستوى المخاطر على النخب السياسية الأوكرانية، لكنه لا يعني بالضرورة إستهدافًا فرديًا مباشرًا، بل تراجع أهمية “الشخصيات” لصالح منطق “إستبدال الأنظمة تلقائيًا”.


سادسًا: الحرب الممتدة والضغط على الجبهة الداخلية

ينتقل المقال إلى تحليل أوسع لطبيعة الحرب الحديثة، حيث يرى أن إستمرار الضربات الجوية والصاروخية على مدى زمني طويل يمكن أن يؤدي إلى إنهاك الجبهة الداخلية الأوكرانية، ليس فقط عسكريًا بل نفسيًا وإقتصاديًا.

ويطرح فكرة أن الضغط المستمر، وليس الضربة الحاسمة، هو ما قد يؤدي إلى تفكك القدرة الدفاعية، عبر تحويل المدن إلى بيئات غير قابلة للإستقرار، ما يدفع نحو تراجع تدريجي في القدرة على الصمود.


سابعًا: البعد الإقليمي والدولي للصراع

في القسم الأخير، يربط الكاتب بين تطور العمليات في أوكرانيا وبين الرسائل الموجهة إلى الغرب، معتبرًا أن ما يجري لا يقتصر على الساحة الأوكرانية، بل يمثل إختبارًا لإرادة الدول الأوروبية في تحمل تبعات التصعيد.

ويخلص إلى أن هذا النمط من الحرب قد يتحول إلى نموذج ردع ممتد، يُستخدم ليس فقط في أوكرانيا، بل كإشارة إلى إمكانية توسيع نطاق الصراع إذا تم دفعه إلى مستويات أعلى.


خلاصة

يمكن قراءة مقال إيشينكو بوصفه نصًا يندرج ضمن أدبيات “التفسير الإستراتيجي للتصعيد”، حيث لا يكتفي بوصف العمليات العسكرية، بل يعيد تأطيرها ضمن تحول شامل في طبيعة الحرب: من صراع محدود على الأرض إلى مواجهة متعددة المستويات تشمل الجغرافيا، الإعلام، والضغط النفسي.

ومع ذلك، يبقى النص أقرب إلى قراءة سياسية لرؤية الشارع الروسي من الصراع، إذ يفترض حتمية التصعيد وتوسع نطاق الإستهداف، دون تقديم سيناريوهات موازية للتهدئة أو التسوية، ما يجعله أقرب إلى “تحليل من داخل منطق الحرب” وليس من خارجها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. من أخفى جثث آلاف السوريين؟ | عبد التواب شحرور | سوريا لوين؟


.. بعد ألف عام.. منسوجة بايو تعود إلى إنكلترا في رحلة تاريخية ا




.. ذكرى مجزرة بورت آرثر في أستراليا.. إطلاق النار الذي غير كل ش


.. إيران تتعهد بضرب إسرائيل ردا على -أي هجوم- يستهدف بنيتها الت




.. واشنطن - طهران: عندما يتحول المضيق إلى -مأزق- • فرانس 24