الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الثورة على عثمان اصلا حية ام مصالح .

صفاء الصافي
باحث وكاتب في التاريخ الإسلامي

2026 / 5 / 22
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


الثورة على عثمان اصلا حية ام مصالح .
حين يتوغّل الباحث في صفحات التاريخ الإسلامي، وتحديدًا في فترة خلافة عثمان بن عفان، يجد أمامه روايات متعددة ومتناقضة؛ فبعضها يقف إلى جانب الخليفة ويدافع عن سياسته، بينما يصوّر بعضها الآخر فترة حكمه بوصفها بدايةً لأزمة سياسية كبرى داخل الدولة الإسلامية. وقد رسمت هذه الروايات ملامح الثورة التي اندلعت في أواخر عهده، وانتهت بمقتله، وهي الحادثة التي شكّلت نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ المسلمين، إذ أعقبتها انقسامات وحروب داخلية أُريقت فيها دماء كثيرة.
ومن هنا يبرز التساؤل الرئيسي:
هل كانت الثورة على عثمان ثورةً إصلاحية تهدف إلى تقويم أوضاع الدولة، أم أنها كانت حركة ذات أهداف سياسية ومصالح متشابكة؟
ومن خلال تتبع الروايات الإسلامية، سواء السنية منها أم الشيعية، يتضح أن الثورة بدأت بمطالب إصلاحية تتعلق بالإدارة وسياسة الولاة، لكنها مع مرور الوقت انحرفت نحو أهداف سياسية بحتة، خاصة بعد دخول أطراف متعددة سعت إلى تحقيق مصالحها الخاصة، حتى أصبحت كل جهة تؤجج الصراع بما يخدم نفوذها ومكانتها.
وينطلق هذا البحث مجموعة من الأسئلة المحورية، أبرزها:
• ما الأهداف الحقيقية لهذه الثورة؟
• من أبرز الشخصيات التي قادت أحداثها؟
• ولماذا اختلفت مواقف الصحابة تجاهها؟
وهي أسئلة حاولت صفحات التاريخ الإسلامي، بمختلف اتجاهاته ومصادره، تقديم إجابات متعددة عنها، مما يجعل دراسة هذه المرحلة ضرورة لفهم جذور الانقسام السياسي والفكري في التاريخ الإسلامي .
الأهداف الحقيقية لهذه الثورة: تمثلت أبرز أهداف هذه الثورة في مواجهة ما يمكن وصفه بتغلغل النفوذ الأموي داخل مفاصل الدولة، إذ برزت شخصيات من بني أمية تمتعت بسلطات واسعة وتأثير كبير في إدارة شؤون الحكم خلال خلافة عثمان بن عفان. وقد رأى المعارضون آنذاك أن هذا النفوذ المتزايد أسهم في تكوين دولة عميقة مهيمنة أصبحت تتحكم في القرار الإداري والمالي للدولة.
كما ارتبطت الثورة باعتراضات واسعة على سياسة الخليفة في تقريب بعض أقاربه ومنحهم امتيازات ومناصب مهمة، الأمر الذي أثار استياء عدد من الصحابة والشخصيات الإسلامية المبكرة، الذين اعتبروا أن تلك السياسة أخلّت بمبدأ المساواة الذي عُرف في المراحل الأولى من الدولة الإسلامية. وفي هذا الصدد روي الذهبي في سيرة اعلام النبلاء، ان عثمان دعا ناسا من الصحابة فيهم عمار فقال: إني سائلكم وأحب أن تصدقوني : نشدتكم الله أتعلمون أن رسول الله كان يؤثر قريشا على سائر الناس، ويؤثر بني هاشم على سائر قريش؟ فسكتوا، فقال: لو أن بيدي مفاتيح الجنة لأعطيتا بني أمية حتى يدخلوها( الذهبي ج الراشدون ص 186) وهذا التحزّب القبلي زاد الطين بلة، فأورث القلوب حنقا، وأشعل في النفوس غضباً، وادى الى ثورة كان قادتها من كبار صحابة النبي، مطالبين بعزل الخليفة من الحكم.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن هذه العوامل شكّلت — بحسب هذا الرأي — الدافع الأبرز لظهور حركة إصلاحية طالبت بإعادة التوازن إلى إدارة الدولة والحد من نفوذ بعض القوى السياسية داخلها. كما ان ام المؤمنين عائشة بنت ابي بكر كان له الدور الاهم في هذه الثورة الاصلاحية فقد اشارت بعض السرديات ان عثمان قد قلل عطائها المالي على ما كانت عليه ابنان حكم الشيخين فاغضبها هذا الامر فقالت يا عثمان أكلت أمانتك وضيعت الرعية وسلطت عليهم الأشرار من أهل بيتك والله لولا الصلوات الخمس لمشى إليك أقوام ذوو بصائر يذبحونك كما يذبح الجمل، فقال عثمان : ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط فكانت عائشة تحرض عليه جهدها وطاقتها وتقول أيها الناس هذا قميص رسول الله لم يبل وقد بليت سنته اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا (الفخر الرازي ،المحصول،ج 4،ص 343)
أبرز الشخصيات التي قادت أحداث الثورة : تشير المصادر ان اكثر من كان يؤلب على عثمان هم طلحة و الزبير و عائشة(احمد بن ابي يعقوب،تاريخ اليعقوبي ، ج 2 ، ، ص72) بالإضافة إلى ذلك، رأى عدد من الصحابة أن سياسة الحكم في عهد عثمان بدأت تبتعد عن النهج الذي سارت عليه الدولة في عهد الشيخين:( ابي بكر وعمر بن الخطاب) إذ اعتبر هؤلاء أن التغيّرات الإدارية والسياسية التي شهدتها الدولة، ولا سيما في مسألة تعيين الولاة وتقريب الأقارب، تمثل خروجًا عن الأسلوب الذي عُرف به العهدان السابقان, وقد روي عن أبي وائل أن عبد الرحمن بن عوف كان بينه وبين عثمان كلام، فأرسل إليه: لم فررت يوم أحد وتخلفت عن بدر وخالفت سنة عمر؟ فأرسل إليه: تخلفت عن بدر؛ لأن بنت رسول الله شغلتني بمرضها، وأما يوم أحد فقد عفا الله عني، وأما سنة عمر فوالله ما استطعتها أنا ولا أنت. (الذهبي ،ج الراشدون، ص186) وقد اتسعت رقعت المعارضين لتصل الى مصر والكوفة والبصرة الذين اطاحوا بخلافة عثمان .
لماذا اختلفت مواقف الصحابة في هذه الثورة : عندما تبحث في الموروث الإسلامي، تجد من خلال الروايات الكثيرة أنَّ الصحابة قبل مقتل عثمان كانوا على حال، وبعد مقتله أصبحوا على حالٍ آخر. وقد تعددت تفسيرات هذه الاختلافات تبعًا للآراء المذهبية والسياسية، لكن الباحث الجيد الذي ينطلق من فهم الطبيعة البشرية لهؤلاء، يلاحظ أن هذه الاختلافات تُعدّ أمرًا طبيعيًا بين بشر كانت تؤثر فيهم المصالح المالية والسياسية
، تفيد المصادر ان عائشة بنت ابي بكر وهي في طريقها للرجوع الى المدينة سمعت بمقتل عثمان فابتهجت سرورا في ذلك لكن سرعان ما تغير هذا السرور الى اكبر مصيبة تواجهها في تولي علي ابن ابي طالب خلافة المسلمين اذ تمنت انطباق الارض عليها ولم تسمع بهذا الخبر وذكر هذه الحادثة (ابن الاثير ،الكامل ،ج 2، ،ص 570) اذا لم تغير موقف عائشة ، عائشة كانت تتمتى ان يكون حليفها المقرب وقريبها طلحة ان يتسنم خلافة الامة وبالتالي ستعيد مكانتها القيادية بعد ان همشها عثمان ابان حكمه فتغير موقفها من المعارضة الى المطالبة بدم عثمان رغم انه لم يكن من اقربائها فلم هذا الموقف بحسب راي طه حسين اذ يقول: وكان معروفًا أن عائشة لم تكن تُحب علياً ولا تهواه، بل كان معروفاً أنها كانت تجد عليه موجدة شديدة منذ حديث الإفك حين أراد عليٌّ أن يبرّئ النبي فأشار عليه بأن يطلقها(الفتنة الكبرى علي وبنوه ،ط 13، دار المعارف، ص 25).
أمّا طلحة والزبير، فكان موقفهما سياسيًا بامتياز؛ إذ كانا يطمحان إلى أن يُشركهما عليّ في إدارة الدولة من خلال توليتهما على البصرة والكوفة، لكنّ الخليفة الجديد كان له رأيٌ آخر، فولّى غيرهما، مما جعلهما ينكثان بيعتهما ويتجهان إلى معسكر عائشة. وقد اجتمع في هذا المعسكر كلّ من كان منتفعًا من خلافة عثمان.
إذًا، فإنّ ذريعة المطالبة بدم عثمان كانت — بحسب هذا الطرح — شماعةً يعلّق عليها المعارضون أهدافهم السياسية والسلطوية.
وفي النهاية، يمكن القول إنّ هذه الثورة كانت في بدايتها حركةً إصلاحية، لكنها تحولت لاحقًا إلى انقسامات سياسية امتدت إلى حروب أهلية، رُفعت فيها السيوف بين فريقين يقرآن القرآن ويصلّيان الصلاة نفسها. فتحوّل الإصلاح إلى مكاسب، والمكاسب إلى معارك، والمعارك إلى انقسامات سياسية، ثم تحولت الانقسامات إلى فرق مذهبية ودينية. وإلى يومنا هذا، ما يزال التناحر الديني والعقدي والمذهبي يعيش على وقع تلك الأحداث، دون تجريدها من هالة القدسية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إزاي التيارات المتشددة تغلغلت في مدينةالإسكندرية؟..د.فاتن صل


.. المسيحيين في الإسكندرية ومصر اتعرضوا لاضطهاد شديد من الرومان




.. الضفة الغربية: تزايد هجرة المسيحيين يثير مخاوف على وجودهم ال


.. أفكار الإخوان ممكن تخلي اللي بيتبعها يتحول للعنف في أي لحظة.




.. كلمة أخيرة - ظاهرة البلوجر أو الداعية السلفي تحتاج إلى دراسة