الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
سيمفونية الحضور سليم ضو، عندما تُتَرجم القضية فلسطينيًا إلى إبداع كوني.
طه دخل الله عبد الرحمن
2026 / 5 / 22قضايا ثقافية
في ذلك الركن المنسي من الجليل، حيث تتنفس الحجارة القديمة ذاكرة الزيتون وتتساقط السنون كالورق الذابل على أرصفة الغربة، حيث يكتب الجليل أقدم قصائده على جباه التلال، هناك، في قرية "البعنة" التي تنام على صدر التاريخ كعروس تنتظر فجراً لا يأتي وُلد سليم ضو عام 1950 ليس ميلاد جسدي فحسب، بل ميلاد أسطورة تمثيلية تليق بعظمة الأرض التي احتضنت أولى أنفاسه. ذلك الوجه الذي لم يكن يوماً مجرد وجه بين وجوه، بل كان مرآة تعكس في عمقها انكسارات وطن وإشراقات إنسان، حمل همومه على خشبة المسرح فتحولت إلى تراجيديات خالدة، وحمل أحلامه إلى كاميرات السينما فتفجرت لوحات بلاغية نابضة بالحياة.
يا للدهشة! ذلك الفتى الذي سيبهر نتفليكس بعراقة وجهه، ويبكي هوليوود بحكمة عينيه، كان بالأمس القريب يحمل الطوب على كتفيه بعد أن سرقت رياح التاريخ أرض أسرته. لم تكن مصادرة الأراضي في الستينيات مجرد حادثة عابرة في سجل الاحتلال، بل كانت أولى جراح سليم التي ستتحول لاحقاً إلى ينابيع إبداع لا تنضب. تعلم الفتى أن التراب الذي يغتصب يتحول رماداً، وأن الفن الذي يولد من الرماد يصير عنقاء تحلق فوق كل الأسوار. لم يمتلك سوى شغف بدأ يخفق في صدره منذ بداية شبابه، شغفاً غريباً، شغفاً بالتحول، بأن يكون غير نفسه، بأن يخلع جلد الواقع القاسي ليرتدي أثواب الأحلام الممكنة.
ومضى سليم ضو في طريقه كعاشق مجنون، يركض خلف سراب الخشبة التي رأى فيها فلسطينه الضائعة. التحق بمعهد "بيت تسفي" للفنون المسرحية، حيث تسلح بالعلم كمن يسلح جيشاً محاصَراً بالمعرفة، لكن روحه العربية الفلسطينية كانت كالنخلة الباسقة: تعلو ولا تنحني، تثمر ولا تجف. ثم جاءت المنحة الفرنسية وكأنها جواز سفر إلى مملكة الجمال الأوروبي، فرحل إلى باريس، إلى معهد "جاك ليكوك"، معبد الحركة والكلمة الصامتة. هناك، في قاعات تعج بأنفاس موليير ورشاشات جان غابان، اكتشف سليم أن الصمت قد يكون أبلغ من ألف خطاب، وأن الجسد المرن قد يحكي من أوجاع وطن لا تنطق به الحروف. تعلم أن الممثل العظيم ليس من يتكلم، بل من يصمت ببلاغة، ومن يتحرك بشاعرية، ومن ينظر فتتساقط من عينيه مملكة بأسرها.
أقام في فرنسا ثمانية أعوام كاملة، ثمانية أعوام كان فيها كالنحلة التي تجوب حدائق باريس الفنية، ثم تعود إلى خليتها لتصنع عسلاً بصبغة فلسطينية خالصة. عمل على مسارح باريسية عديدة، وكان في كل مرة يقدم لفلسطين هدية جديدة: وجهاً عربياً أصيلاً في أوروبا التي كانت تظن أن العرب لا يجيدون إلا البكاء على الأطلال، أما هو فكان يبكي ويضحك ويثور ويهدأ، كل ذلك في إطار من الجمال الخالص.
ثم كانت العودة إلى حيفا، تلك العودة التي تشبه عودة الموج إلى البحر. لم يعد سليم ضو إلى فلسطين ممثلاً فقط، بل عاد مدرسة متكاملة، أدار مسرح "الكرمة" ومسرح "الميدان"، فكانت تلك المسارح كالنوافير في الصحراء، حيث يرتوي العطشى بجمال الكلمة، وتلملم الجراحات تحت إضاءات الخشبة. كان يؤسس مسرحاً فلسطينياً بمواصفات عالمية، لا يبكي ولا يرثي، بل يصنع الإنسان من جديد فوق خشبة تتسع لكل الأحلام.
ومضى الزمن، وكبرت الأحلام حتى فاضت عن جدران حيفا، فكان أن انضم إلى طاقم عمل مسلسل "التاج" على منصة نتفليكس، في لحظة فاصلة بين الأمس المجهول والغد المشع. جسد سليم ضو الملياردير المصري الراحل محمد الفايد، ذلك الرجل الذي حمل في عروقه طموح النيل وغطرسة الصحراء ودهاء التاجر الشرقي. يا للروعة! فلسطيني يجسد مصرياً ليخاطب بريطانيين، وكأنه يقول: أيها العالم، هذا هو الشرق بكل تناقضاته البديعة. كانت لحيته البيضاء كريشة رسمت على وجهه ألف حكاية، كانت عيناه كبحرين عميقين تغرق فيهما برودة القصور الملكية ودفء القرى المصرية. وُصف أداؤه بأنه "أحد أقوى العروض في تاريخ المسلسل"، لكن الوصف الحقيقي كان في قلوب المشاهدين الذين رأوا كيف يتحول الممثل إلى شاعر، وكيف تصبح الشاشة مرآة لروح إنسانية معقدة بكل ما فيها من جبروت وضعف.
لم يتوقف سليم عند ذلك الحد، بل أتى فيلم "أوسلو" على شبكة HBO ليكتب فصولاً جديدة من بطولته الصامتة. جسد شخصية "أحمد قريع (أبو العلاء)"، أحد مهندسي مفاوضات أوسلو السرية، وكان أداؤه كمن يقرأ التاريخ بطريقة لم يسبقه إليها أحد. لقد جعل من القاعة المغلقة في أوسلو فضاءً درامياً مفتوحاً على السماء، وجعل من دبلوماسي متعب قديساً يبحث عن سلام مستحيل. لم يكن يمثل، بل كان يذيب نفسه في الشخصية حتى تداخلت الأرواح واختفت الحدود بين سليم وبين من يجسد. عزز هذا العمل وجوده كاسم موثوق في الإنتاجات الضخمة، وأثبت أن الوجه الفلسطيني يمكن أن يكون بوابته إلى العوالم الأكثر تعقيداً.
لكن سليم ضو يظل، في جوهره العميق، ذلك الطفل الجليلي الذي يحب غزة كما يحب العاشق وجه حبيبته. جاء فيلم "غزة مونامور" ليذكرنا بأن هذا الرجل القادر على تجسيد الأباطرة وقادة العالم، هو نفسه القادر على أن يكون رجلاً بسيطاً يحب امرأة في مدينة محاصرة. قدم سليم أداءً شاعرياً خالصاً، كمن يكتب قصيدة حب على جدار مدمر أو يرسم لوحة بألوان الدخان والدمع. جسد رجلاً يبحث عن الحب في زمن القصف، وعن حياة في حضرة الموت، فجاء أداؤه كالزيتون الفلسطيني: مر الطعم لكنه شافي، وصلب الجذع لكنه مثمر. نال عن هذا الفيلم جائزة أفضل ممثل في مهرجان مالمو للسينما العربية وجائزة أخرى في مهرجان أنطاليا بتركيا، لكن الجائزة الحقيقية كانت أن الفيلم مثل فلسطين في جوائز الأوسكار، ليكون رسالة إلى العالم: هذا هو وجهنا الحقيقي، وجه الحب لا الكراهية، وجه الحياة لا الموت.
أما فيلمه الكلاسيكي "Avanti Popolo" (1986)، فقد ظل علامة فارقة في تاريخ السينما الفلسطينية والعربية. جسد فيه جندياً مصرياً ضائعاً بعد حرب 67، وكان الأداء أشبه بمرثية للإنسان العربي في زمن الهزائم. حصل الفيلم على جوائز عديدة، لكن الجائزة الأكبر كانت خلوده في ذاكرة من شاهدوه. ثم جاء مسلسل "طاغية" (Tyrant) الأمريكي ليضيف بعداً آخر إلى مسيرته، حيث جسد شخصية يوسف وأثبت أن الأبجدية العربية يمكن نطقها بأكثر من لغة، وأن الحزن الفلسطيني يمكن أن يترجم إلى كل اللهجات.
وفي عام 1989، وقف سليم ضو على منصة التكريم ليحصل على جائزة أفضل ممثل عن دوره في فيلم "الملجأ". لم تكن مجرد جائزة، بل كانت اعترافاً بمسيرة بدأت من طين الجليل ووصلت إلى أرقى المهرجانات العالمية. كان في عينيه ذلك اليوم بريق المنتصر، ليس لأنه فاز بجائزة، بل لأنه استطاع أن يثبت أن الفلسطيني قد يكون أعظم سفير لفنه قبل أن يكون أي شيء آخر.
الخلاصة التي لا تنتهي: سليم ضو ليس مجرد ممثل، بل هو فلسطين ترتدي ثياب التمثيل، ووطن يمشي على قدمين فوق الخشبة والشاشة. هو جسر ثقافي بين الشرق والغرب ليس لأنه تنازل عن شيء من أصالته، بل لأنه كان صادقاً معها إلى أقصى درجة. استطاع بلحيته البيضاء التي تحمل عراقة الجليل ونكهة الزعتر، وملامحه الفلسطينية التي لا تخطئها عين، أن يقنع الجمهور العالمي بأنه ملياردير مصري تارة، وسياسي فلسطيني تارة ثانية، ورجل بسيط يبحث عن الحب في غزة تارة ثالثة. ليس هذا تناقضاً، بل هو جوهر التمثيل العظيم: أن تكون كل شيء وأن تبقى نفسك، أن ترتدي ألف قناع ولا تفقد وجهك الحقيقي.
يظل سليم ضو نموذجاً للفنان الذي صقلته الغربة فلم تكسره، وشهدته المثابرة فلم تتعبه، ليصبح اليوم أحد أكثر الفنانين العرب حضوراً وتقديراً في هوليوود وأوروبا. إنه درس في العزة: أن تكون من بلد محتل لكن روحك لا تُحتَل، وأن تحمل جراح وطنك على كتفيك لكنك لا تتوقف عند حد البكاء، بل تتحول إلى ضوء يشع من الخشبات والشاشات، يضيء للقادمين دروباً لم يكونوا يظنون أنها ممكنة. إنه سليم ضو، سيد الحضور، ملك التحولات، فلسطيني بملامح العالم، وعالمي بقلب فلسطيني لا يعرف المستحيلات.
البعنه == الجليل
20/05/2026
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. لماذا بدأت الولايات المتحدة بضرب بندر عباس؟
.. أوتاوا الكندية تعلن حاجتها لنصف مليون مهاجر في العامين المقب
.. هجمات متبادلة بين موسكو وكييف وتوتر دبلوماسي روسي أوروبي
.. كوبا.. تواصل الانقطاع الواسع للكهرباء وخدمات الاتصال وشركة ا
.. هل تتجه الولايات المتحدة إلى تصعيد أكبر مع إيران؟