الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
بين “الصفقة” و”الإستراتيجية”: كيف قرأت موسكو قمة ترامب شي في بكين؟
زياد الزبيدي
2026 / 5 / 23مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
23 أيار مايو 2026
في قراءة روسية لافتة كتبها أليكسي بوبروفسكي عقب قمة دونالد ترامب وشي جين بينغ في بكين، لا تبدو الزيارة مجرد محطة بروتوكولية أو محاولة عابرة لخفض التوتر بين القوتين الأكبر في العالم، بل فصل جديد من لعبة إستراتيجية طويلة تتجاوز التجارة والتعريفات الجمركية إلى إعادة تشكيل النظام الإقتصادي والجيوسياسي العالمي.
بوبروفسكي، في مقاله المنشور بتاريخ 14 مايو/أيار 2026، يتعامل مع القمة بقدر واضح من الحذر السياسي. فبرغم الأجواء “الدافئة” التي أحاطت بالزيارة، يرى أن النتائج الحقيقية لم تتضح بعد، وأن ما جرى حتى الآن لا يتجاوز “تبادلاً محدوداً للمصالح”، يلخّصه بتعبير ساخر ومكثف: “حتى الآن، تم إستبدال الرقائق الإلكترونية بلحوم الأبقار”.
وراء هذه العبارة الساخرة تكمن فكرة مركزية: لا توجد حتى الآن تسوية إستراتيجية كبرى بين واشنطن وبكين، ولا مؤشرات على إختراق تاريخي. ولو حدث ذلك فعلاً ـ بحسب الكاتب ـ “لإرتفع الصراخ إلى السماء”.
قمة بلا إختراقات كبرى
القراءة الروسية للقمة تنطلق من ملاحظة أساسية: الملفات الأكثر حساسية بقيت معلّقة.
قضية تايوان لم تتحرك من مكانها، والخلافات الجوهرية المتعلقة بالنفوذ العالمي، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والهيمنة المالية، بقيت قائمة كما هي.
يصف بوبروفسكي اللقاء بأنه أقرب إلى “إدارة مؤقتة للتناقضات” منه إلى حل فعلي لها. ساعتان من المفاوضات المترجمة من الصينية ـ كما يقول ـ “لا تعنيان شيئاً تقريباً” إذا ما قورنت بحجم الصراع البنيوي بين الطرفين.
ومن وجهة نظره، فإن البيانات الرسمية التي صدرت بعد القمة بدت شديدة العمومية، من نوع:
•نعم، توجد مشكلات بيننا.
•نعم، ينبغي حل هذه المشكلات.
لكن السؤال الحقيقي، بالنسبة للكاتب، ليس ما الذي إتفق عليه الطرفان، بل: ما طبيعة الأزمة العميقة التي تحكم العلاقة الأميركية ـ الصينية أصلاً؟
كيف ترى بكين الولايات المتحدة؟
في تفكيكه للرؤية الصينية، يرسم بوبروفسكي صورة لقيادة صينية تعتبر أن واشنطن تخوض عملية خنق ممنهجة لصعود الصين.
فمن وجهة النظر الصينية، تقوم الولايات المتحدة بـ:
•تدمير أسواق التصدير الصينية.
•تعطيل سلاسل التجارة واللوجستيات الخاصة ببكين.
•تقويض مشروع “حزام واحد ـ طريق واحد”.
•إخراج الصين تدريجياً من أميركا اللاتينية.
•تغيير قواعد اللعبة بإستمرار عبر العقوبات والرسوم الجمركية والتهديدات السياسية.
بمعنى آخر، ترى بكين أن واشنطن لا تتعامل مع الصين كشريك إقتصادي منافس، بل كخصم إستراتيجي ينبغي إحتواء صعوده قبل أن يتحول إلى مركز قوة عالمي بديل.
وهنا تبدو المسألة أعمق بكثير من مجرد حرب تجارية. فالصراع، وفق القراءة الروسية، يدور حول مستقبل النظام العالمي نفسه: من يضع القواعد؟ ومن يتحكم بالتكنولوجيا والمال والطاقة والتصنيع؟
وكيف تنظر واشنطن إلى الصين؟
في المقابل، يعرض بوبروفسكي ما يعتبره “العقدة الأميركية” تجاه الصين، مستنداً إلى مواقف سابقة لنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس.
الولايات المتحدة ـ بحسب هذا التصور ـ ترى أن الصين:
•لا تفتح أسواقها بصورة متكافئة.
•إنتزعت الريادة التكنولوجية والإبتكارية من أميركا.
•تبني مؤسسات دولية موازية للمؤسسات الغربية.
•تهدد خطط إعادة التصنيع داخل الولايات المتحدة.
•راكمت إحتياطيات وقدرات مالية تجعلها أقل عرضة للانهيار.
•قلّصت إعتمادها على الدولار في التجارة الدولية.
•بدأت تنفصل تدريجياً عن النظام المالي الأميركي القائم على الديون.
وهنا يبرز أحد أكثر الإستنتاجات أهمية في المقال: الخطر الحقيقي بالنسبة لواشنطن ليس فقط قوة الصين الإقتصادية، بل قدرتها على إثبات أن من الممكن بناء نموذج عالمي لا يعتمد بالكامل على الدولار أو المؤسسات الغربية التقليدية.
الحرب في الشرق الأوسط وتغيّر خرائط الطاقة
يتوقف الكاتب أيضاً عند نقطة إعتبرها شديدة الدلالة: الحديث عن إهتمام صيني بشراء النفط الأميركي لتقليل الإعتماد على الإمدادات المارة عبر مضيق مضيق هرمز.
حتى وإن كان هذا الطرح ـ كما يقول ـ قد صدر أساساً من الرواية الأميركية، فإنه يعكس تحولاً مهماً في الجغرافيا السياسية للطاقة.
فالإضطرابات في الشرق الأوسط بدأت بالفعل تعيد رسم تدفقات الطاقة العالمية، ولكن بصورة لا تخدم الصين بالضرورة.
إذ إن بكين، التي تعتمد بشدة على إستقرار طرق الإمداد البحرية، تجد نفسها أمام بيئة أكثر هشاشة وأكثر قابلية للإبتزاز الجيوسياسي.
ومن هنا، تبدو الحرب في الشرق الأوسط جزءاً من معركة أوسع على الإقتصاد العالمي، لا مجرد نزاع إقليمي منفصل.
لماذا “تساير” الصين واشنطن؟
من أكثر الأفكار إثارة في المقال وصف الكاتب للإستراتيجية الصينية بأنها تقوم على “الموافقة الشكلية والتنفيذ المختلف”.
فالصين ـ بحسب بوبروفسكي ـ توافق نظرياً على معظم ما يُطرح أميركياً، لكنها تواصل عملياً العمل وفق مصالحها الخاصة.
إنها سياسة شراء الوقت، أو إدارة الصراع دون مواجهة مباشرة شاملة.
ولهذا يشير الكاتب إلى تصريحات شي جين بينغ بشأن إنفتاح السوق الصينية أمام الشركات الأميركية، وإلى المثال الذي يقدمه عن شركة تيسلا.
فبحسب الرواية الروسية، كانت تيسلا بين عامي 2018 و2019 على حافة الإنهيار تقريباً، لكن الصين سمحت لها بالدخول إلى سوقها، فأنقذت الشركة، وفي المقابل حصلت بكين على نقل هائل للخبرات والتكنولوجيا، قبل أن تتحول لاحقاً إلى قوة عالمية رائدة في صناعة السيارات الكهربائية.
هنا يطرح الكاتب فكرة شديدة الأهمية: الصين لا تفتح سوقها بطريقة عشوائية، بل تستخدم الإنفتاح الإقتصادي كأداة إستراتيجية لإمتصاص التكنولوجيا والخبرة وتعزيز قدراتها الذاتية.
لماذا رافق كبار رجال الأعمال ترامب إلى بكين؟
يعتبر بوبروفسكي أن وجود شخصيات مثل إيلون ماسك، وتيم كوك، ورئيس بوينغ، إضافة إلى جينسن هوانغ، لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً.
فالرسالة الصينية واضحة: بكين مستعدة لإستقبال الشركات الأميركية الكبرى، لكن “لكل شيء ثمن”.
أي أن الصين لا تزال ترى في رأس المال والتكنولوجيا الأميركيين أدوات مفيدة لتطوير إقتصادها، حتى في ظل الصراع الجيوسياسي المتصاعد مع واشنطن.
الإقتصاد المفتوح… لا السوق المالية المفتوحة
في واحدة من المقارنات اللافتة، يشير الكاتب إلى أن الصين ـ بخلاف روسيا في بعض المراحل ـ إختارت فتح الإقتصاد الحقيقي لا السوق المالية.
ويستشهد بسوق السيارات الصينية بوصفها نموذجاً للمنافسة الحادة التي أدت إلى تحسين الجودة وخفض الأسعار وتعزيز الإبتكار، “من دون رسوم حمائية ضخمة أو ضرائب معرقلة”.
المغزى هنا أن بكين، في نظر الكاتب، نجحت في تحقيق توازن دقيق: الإستفادة من العولمة، دون التخلي الكامل عن السيطرة السيادية على النظام المالي والإقتصادي الداخلي.
موسكو بين بكين وواشنطن
لكن الجزء الأكثر حساسية في المقال يبدأ عندما ينتقل الحديث إلى روسيا.
فبوبروفسكي يرى أن “اللعبة الثلاثية” بين موسكو وبكين وواشنطن ما تزال مستمرة، وأن المرحلة المقبلة ستكون مرتبطة بما ستفعله روسيا، لا بما إتفق عليه ترامب وشي فقط.
ومن هنا يطرح ما يشبه التحذير الإستراتيجي: “المهمة هي ألا نعطي أي طرف سبباً للإعتقاد بأننا سنصبح مجرد شريك مواد خام تابع له”.
هذه العبارة تختصر قلقاً روسياً متنامياً من إحتمال تحوّل روسيا، في ظل العقوبات الغربية والإعتماد المتزايد على الصين، إلى مجرد مورد للطاقة والمواد الأولية داخل المنظومة الإقتصادية الصينية.
ولذلك يؤكد الكاتب أن على موسكو أن تضمن أن بكين “تفهم من سيكون التالي”، في إشارة ضمنية إلى أن الضغوط الأميركية على الصين قد تتصاعد مستقبلاً بالطريقة نفسها التي أستُخدمت ضد روسيا.
“الصفقة” عند ترامب… ليست إستراتيجية
ينتهي المقال بخلاصة شديدة الدلالة حول طريقة فهم موسكو لشخصية ترامب السياسية.
فمن وجهة نظر الكاتب، كلمة “صفقة” التي يكررها ترامب بإستمرار لا تعني رؤية إستراتيجية طويلة المدى، بل “حلاً ظرفياً مؤقتاً” يخدم لحظة سياسية أو إقتصادية محددة.
وهذا يعني أن موسكو وبكين، رغم إختلاف مصالحهما، تنظران إلى السياسة الأميركية الحالية بإعتبارها شديدة البراغماتية وقابلة للتبدل السريع، الأمر الذي يدفعهما إلى التعامل بحذر مع أي تفاهمات مؤقتة مع واشنطن.
ما الذي تكشفه القراءة الروسية فعلياً؟
في العمق، لا يقدم بوبروفسكي قراءة لقمة دبلوماسية فحسب، بل يقدم تصوراً روسياً متكاملاً للعالم وهو يدخل مرحلة إنتقالية مضطربة: الولايات المتحدة تحاول إبطاء صعود الصين، الصين تناور لكسب الوقت وتعزيز الإكتفاء الإستراتيجي، روسيا تحاول تجنب التحول إلى تابع إقتصادي لأي من الطرفين، الشرق الأوسط يعيد تشكيل خرائط الطاقة العالمية، والدولار لم يعد الأداة الوحيدة التي لا يمكن الإستغناء عنها.
أما النتيجة الأهم، فهي أن الصراع بين واشنطن وبكين لم يعد مجرد تنافس بين قوتين عظميين، بل أصبح صراعاً على تعريف شكل النظام العالمي القادم نفسه.
******
هوامش
أليكسي بوبروفسكي
هو صحفي ومحلل روسي متخصص في الإقتصاد والجغرافيا السياسية، يُعرف بتعليقاته حول العلاقات الدولية والصراع بين القوى الكبرى، خصوصًا بين روسيا والغرب والصين.
يقدّم قراءات تجمع بين الاقتصاد والسياسة الاستراتيجية، ويظهر بانتظام في وسائل إعلام روسية وبرامج تحليلية تناقش التحولات العالمية والنظام الدولي.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. فضائح رياض أطفال باريس هل تصدكم عن العمل فيها؟ | عينٌ على أو
.. إسبانيا: حرائق الأندلس تحصد 11 قتيلاً وتستدعي إجلاء أكثر من
.. اختتام قمة حلف الناتو في أنقرة.. ما حجم الزيادة التي ستتكبده
.. بين وعود أميركا وحسابات إسرائيل.. ماذا ينتظر جنوب لبنان؟ | #
.. استقبال جماهيري حافل لبعثة منتخب مصر بالساحل الشمالي بعد إنج