الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ست سنوات ضيعتها بلا مقابل
كاظم فنجان الحمامي
2026 / 5 / 23سيرة ذاتية
لا يوجد جهاز لقياس الوفاء ادق من المواقف. فالمواقف وحدها تعطيك الإجابات بكل وضوح. .
كنت انتمي لأسرة كبيرة جدا مؤلفة من خمس عوائل تعيش على الكفاف في بيت متواضع. فقررت التضحية بمستقبلي الدراسي والعمل في عرض البحر من اجل تحسين مستواهم المعيشي. .
تركت دراستي في المرحلة الاخيرة من الإعدادية رغم اني كنت من المتفوقين في الفرع العلمي. والتحقت بدورة تدريبية لتأهيل المرشدين البحريين فجاء ترتيبي الاول على أقراني عام 1973 (في الاختبارات العملية والنظرية). .
وما ان استلمت راتبي الشهري حتى ذهبت إلى السوق لشراء كل ما تحتاجه أسرتي من غذاء ودواء ومستلزمات اخرى، وقررت في حينها تخصيص مصرف شهري لاثنين من أسرتي كانوا يواصلون دراستهم الجامعية. ثم تكفلت بمأكل ومشرب هذه الأسرة الكبيرة، بمعنى انني كنت اهمل نفسي تماما كي لا تشعر أسرتي بالعوز. وهكذا استقرت الأمور على هذا السياق الثابت للمدة من عام 1973 إلى عام 1979 كنت فيها أنا المسؤول عن تغطية كل الاحتياجات، من دون ان أتخلف يوما واحدا عنهم، ومن دون ان أفكر بالزواج أو الاهتمام بنفسي. .
وفي يوم صيف لاهب من عام 1979 كنت عائدا إلى البيت من جولة بحرية، وكان من المفترض ان التحق في اليوم التالي بالجيش لأداء خدمة الاحتياط. صدمت عندما وجدتهم يتناولون الغداء من دون ان ارى أمي بينهم. ألقيت عليهم التحية. ثم توجهت نحو غرفة أمي كي اسلم عليها، لكنني فوجئت بخلو الغرفة من الاثاث، وامي غير موجودة. .
كانت دهشتي كبيرة عندما علمت انهم اتفقوا على ترحيلها مع شقيقي إلى منزل قديم خارج الحي الذي نسكنه. .
سألتهم: اين أمي ؟، واين شقيقي ؟.
فكانت أجوبتهم خجولة باهتة مترددة وغير مقنعة، قالوا انها اختارت الرحيل والابتعاد، فخرجت على الفور متوجها إلى مكانها الجديد. .
كانوا يعلمون جيدا ان راتبي الشهري سوف ينخفض إلى الحد الادنى عند التحاقي بالخدمة العسكرية الإلزامية، لأن راتب الجندي الاحتياط يقتصر على ثلاثة دنانير و (750) فلسا فقط كل شهر. لا يكفي بطبيعة الحال لمواصلة عطائي الشهري الذي اعتادوا عليه. . ولأني اصبحت بلا مورد اعلنوا عن استغناءهم عني في توقيت لا يخطر على بال ألد الاعداء. .
التحقت في اليوم التالي بالجيش ولم يكن في جيبي ما يكفي لشراء علبة سكائر. فاضطررت إلى الاستدانة من الغير حتى اوفر لقمة العيش لعائلتي الصغيرة في منفاها الجديد، وكانت مؤلفة من ثلاثة (أمي رحمها الله، وأنا، وشقيقي). لم يسأل علينا احد، ولم يزرنا زائر منهم على مدى ستة اشهر. .
في نهاية عام 1979 انهيت خدمة الاحتياط، وعدت إلى عملي البحري، ثم حالفني الحظ في الانتقال للسكن في بيت مستقل. .
الزمن لا يشفي كل شيء، لكنه يكشف كل شيء. يكشف من أحبني بصدق، ومن كان وجوده مؤقتا، يكشف حقيقة الوعود، و وزن الكلمات، ونوايا القلوب حين تتغير الظروف. ومع مرور الأيام لم اعد أراهم كما كانوا، بل كما هم فعلاً. .
الزمن لا يغيرهم بقدر ما يمنحهم الفرصة، ليظهروا على حقيقتهم. ومع كل خيبة لم أتعلم الدرس لكني لم افقد الرغبة بعمل الخير، رغم اني فهمت طبيعة الحياة أكثر، وفهمت أن ليس كل من اقترب مني كان ينوي البقاء، وليس كل الكلمات الجميلة تقال بصدق. تعلمت معظم الدروس بعد بلوغي سن السبعين. .
أخيرا - وانا في الغربة. . . أدركت أن النوايا السليمة، و الأفعال العفوية، و صدق العطاء. وكل الأعمال الخيرة تُقرأ دائما بصورة مقلوبة في أعين اقرب الناس الينا. .
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. واشنطن وطهران على حافة تصعيد جديد ومخاوف من العودة إلى حرب ش
.. رافال تحط في حسابات المغرب ومقاتلات روسية في طريقها إلى الجز
.. حرارة قياسية تجتاح فرنسا.. تسعة أقاليم تحت الإنذار الأحمر
.. أميركا وإيران على حافة الانفجار.. إلى أين تتجه المواجهة؟
.. جيش الاحتلال يعلن العثور على منشآت أسلحة لحزب الله