الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
طرق تقديم الخبر ما بين مؤسسات الصحافة المتخصصة ومنطق صناع المحتوى في الوقت الحاضر
أسامة البدران
كاتب ومؤلف وصحفي
(Osama Al-badran)
2026 / 5 / 23
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
في العراق، لم تعد “الخبرة” تُنتَج دائماً داخل الجامعات ومراكز البحث والتخصص الأكاديمي، بل باتت تُصاغ في كثير من الأحيان داخل فضاء السوشيال ميديا، حيث تقرر الخوارزميات من يظهر، ومن يُوصَف، ومن يُقدَّم للجمهور بوصفه “خبيراً”. وهكذا، لم يعد معيار التخصص العلمي أو تاريخ البحث هو الحاسم في تشكيل الصورة العامة، بل أصبحت كثافة الظهور، وعدد المتابعين، وسرعة الانتشار هي التي تمنح الشرعية الرمزية.
في هذا السياق، يمكن لفاعل إعلامي أو ناشط ثقافي أو حتى موظف إداري أن يتحول بسهولة إلى “مرجعية معرفية” في الوعي العام، بينما يُدفع الأكاديمي المتخصص، صاحب المسار الطويل في البحث والتدريس والتنقيب، إلى هامش المشهد، وكأن خبرته الممتدة لعقود لم تعد كافية لمنافسة صورة رقمية سريعة الإنتشار.
الخلل هنا لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يتعلق بطريقة تشكيل الوعي. فالإعلام، حين يتعامل مع المعرفة بوصفها مادة استهلاكية، يُعيد ترتيب الهرمية العلمية بشكل غير دقيق: يقدّم الأكثر حضوراً على الأكثر تخصصاً، ويمنح الألقاب بناءً على التداول لا على التكوين العلمي، حتى يصبح “الخبير” صفة إعلامية قبل أن يكون توصيفاً أكاديمياً.
حين كنت أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، وقعت على خبر يتحدث عن مدينة “باشيمي” الأثرية في ميسان. في لحظة عابرة من التصفح، لم يكن الخبر بحد ذاته ما شدّني، بل الطريقة التي كُتب بها، والأسماء التي رُتّبت داخله، والأوصاف التي وُزّعت على نحوٍ بدا لي – بكل ما فيه من قلق – معبّراً عن تحوّل أعمق مما يبدو في الظاهر.
شعرت بشيء من الاضطراب وأنا أقرأ تقديم عامر عبد الرزاق بوصفه “الخبير الآثاري”، مقابل الإشارة إلى البروفسور نائل حنون بوصفه “باحثاً” فقط، دون أي إضاءة على مكانته الأكاديمية الممتدة لعقود في واحد من أدق مجالات الدراسات الرافدينية. لم تكن المسألة خطأً تحريرياً عابراً بقدر ما بدت لي علامة على نمط متكرر، يتسلل بهدوء إلى وعينا الجمعي، ويعيد تشكيل معنى “الخبرة” نفسها.
ذلك الخبر البسيط دفعني إلى شعور ثقيل أقرب إلى الحزن منه إلى النقد المجرد؛ حزن على ما آلت إليه طريقة تقديم المعرفة في العراق، وعلى هذا الانزياح التدريجي في ميزان القيمة، حيث لم يعد التخصص العلمي الممتد لعقود يحظى بالوزن نفسه الذي تحظى به الشهرة أو الحضور الإعلامي أو كثافة الظهور على المنصات الرقمية.
ومع تكرار هذا النوع من الصياغات، لم يعد الأمر حالة فردية أو استثناءً صحفياً، بل بات يبدو كأنه اتجاه عام يعيد إنتاج مفهوم “الخبير” خارج سياقه الأكاديمي، ويمنح الأفضلية لمن يملك الحضور والانتشار، لا لمن راكم المعرفة عبر البحث والدراسة والتدريس.
المسألة ليست في ترتيب الأسماء بقدر ما هي في دلالة هذا الترتيب. فالصياغة الإعلامية ليست بريئة؛ إذ يمكن لكلمة واحدة أن تصنع سلطة معرفية، وأن تعيد تشكيل صورة الشخص في ذهن المتلقي، بحيث يبدو الأكثر حضوراً إعلامياً هو الأكثر علماً، بغض النظر عن عمق مساره العلمي الفعلي.
وعند العودة إلى السيرة الأكاديمية للبروفسور نائل حنون، تتضح المفارقة بشكل صارخ. فهو أحد أبرز المتخصصين العراقيين في اللغات المسمارية والحضارات الرافدينية، بدأ مساره العلمي منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، وتخرّج في جامعة بغداد، وتعمّق في الدراسات الأكدية والمسمارية داخل العراق وخارجه، متأثراً ومُتتلمذاً على يد الجيل المؤسس لعلم الآثار العراقي الحديث، وفي مقدمتهم طه باقر، الذي يُعد أحد أهم أعمدة المدرسة الرافدينية الحديثة.
ولم يكن حنون مجرد باحث في هذا الحقل، بل امتداداً لمدرسة علمية صارمة أسستها أسماء كبرى مثل طه باقر وفؤاد سفر وعبد القادر التكرلي، وهي المدرسة التي وضعت العراق في قلب الدراسات المسمارية العالمية. وقد قدّم أعمالاً تأسيسية بارزة، من بينها ترجمات مباشرة للنصوص المسمارية، مثل “ملحمة كلكامش” و“إينوما إيليش”، إضافة إلى أبحاث تتعلق بتاريخ العراق القديم ولغاته ونقوشه، بما يجعل اختزاله في صفة “باحث” تقليلاً غير منصف من حجم هذا الإرث العلمي.
في المقابل، يزداد حضور نمط آخر من “الخبرة” قائم على الظهور الإعلامي، وإدارة المتاحف، والمشاركات الثقافية العامة، والمحاضرات الجماهيرية. وهي أنشطة مشروعة في ذاتها، لكنها لا تكفي لتأسيس صفة علمية تعادل مساراً أكاديمياً ممتداً لعشرات السنين من البحث والتخصص الدقيق.
وهنا يظهر جوهر الأزمة: الخلط بين “الانتشار” و“التخصص”، وبين “صانع المحتوى الثقافي” و“الباحث الأكاديمي”، وبين “الحضور الإعلامي” و“السلطة العلمية”. هذا الخلط لا يغيّر فقط طريقة تقديم الأشخاص، بل يعيد تشكيل الوعي العام حول من يُعتبر مرجعاً في التاريخ والمعرفة.
لقد أسهمت السوشيال ميديا في إنتاج نمط جديد من “الخبراء”، حيث باتت مهارة السرد والتأثير البصري والتفاعل الجماهيري أقوى من أدوات البحث العلمي الرصين. ونتيجة ذلك، أصبح الجمهور يتلقى المعرفة من الأكثر انتشاراً، لا من الأكثر تخصصاً، ومن الأكثر قدرة على بناء خطاب جذاب، لا من الأكثر التزاماً بالمنهج العلمي.
ولا يقتصر الإشكال على الألقاب، بل يمتد إلى إعادة تدوير الأفكار نفسها دون الإشارة إلى جذورها الفكرية أو أصحابها الأوائل. فالكثير من النقاشات حول الهوية العراقية القديمة، والانتماء الحضاري، والعلاقة بين العراقيين المعاصرين وحضارات سومر وأكد وبابل وآشور، طُرحت في مراحل مبكرة عبر كتابات وبحوث ومحتوى معرفي سبق موجة الاهتمام الحالية، ومن بينها ما قدمه الباحث والكاتب أسامة البدران في قراءات تناولت الامتداد الحضاري للعراقيين، وناقشت السرديات التقليدية للهجرة والانقطاع التاريخي.
لكن الإعلام الرقمي، بطبيعته، يميل إلى منح الفضل لمن يملك الانتشار الأوسع، لا لمن قدّم الطرح أولاً أو أسّس له معرفياً. وهكذا تتحول المعرفة إلى “محتوى”، ويتحول التاريخ إلى مادة قابلة لإعادة التدوير، بينما يُهمَّش الجهد التأسيسي، سواء صدر عن أكاديميين راسخين أو باحثين وكتاب اشتغلوا مبكراً خارج دائرة الضوء.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تعدد الأصوات، بل في فقدان القدرة على التمييز بينها. فالمجتمعات لا تنهض على الضجيج، بل على وضوح المرجعيات. وحين تختلط الخبرة بالشهرة، والتخصص بالانتشار، يصبح الوعي العام عرضة للتشويش، وتفقد المعرفة تدريجياً معيارها العلمي.
إن إعادة الاعتبار للتخصص الأكاديمي ليست موقفاً ضد الإعلام أو ضد الحضور الثقافي العام، بل هي دفاع عن الحد الأدنى من الدقة في توصيف المعرفة. فالمشكلة ليست في أن يتحدث غير المتخصص، بل في أن يُقدَّم بوصفه بديلاً عن المتخصص.
وفي النهاية، فإن الحضارات لا تُحمى بالخطاب الإعلامي وحده، بل تُصان بالبحث العلمي الرصين، وبالإنصاف المعرفي، وبالقدرة على التمييز بين من أنتج المعرفة فعلاً، ومن أعاد تدويرها في فضاء أكثر ضجيجاً.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. كيف سقطت شبكات احتيال جمعت مئات الملايين حول العالم؟ | مسائي
.. الجيش الكويتي يعلن اعتراض عدد من الصواريخ الباليستية والمسيّ
.. منتخبا فرنسا وإنجلترا يلتقيان في مباراة البحث عن نهاية إيجاب
.. الأرجنتين وإسبانيا.. قمة بين ميسي ولاعبي برشلونة الشباب
.. الإنجليزية للمبتدئين: كيف نتحدث عن الماضي باستخدام الأفعال غ