الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
المشهد من قمة بكين
محمد وهاب عبود
2026 / 5 / 23مواضيع وابحاث سياسية
لقد عاد ترامب إلى الصين بعد غياب دام تسع سنوات لكنه لم يعد إلى نفس الكوكب الذي غادره ذات يوم: موسكو تفرض معادلتها وطوكيو لم تعد تابعة والرياض توسع شراكتها بهدوء مع الصين، وبرلين سبقت ترامب إلى وجهته. فالمشهد الذي تابعه العالم لم يكن قمة رئاسية روتينية، لقد كان معطى عبَر عن تحول جذري في بنية النظام العالمي نفسه.
الرئيس الصيني ونظيره الأمريكي جلسا في قاعة الشعب الكبرى وحولهما سبعة عشر من كبار رجال الأعمال الأميركيين، من أبل إلى تسلا إلى بوينغ. فالمحادثات التي استمرت ساعتين وخمس عشرة دقيقة لم تخل من دفء العلن وبرودة الخفاء، إذ تبادل الطرفان عبارات المجاملة "علاقة أميركا والصين أصبحت أفضل من أي وقت مضى" و"النجاح هو فرصة كل منا للآخر" لكن تحت دفء الكلمات كان ثمة غليان. لقد تم الاتفاق على آلية "مجلس التجارة" الذي سيدير تبادلاً تجارياً بقيمة 30 مليار دولار لكل جانب، في تجسيد لسياسة "إدارة الخلافات" بدلاً من "حلها"، والشرائح الإلكترونية من نوع H200 سُمح بتصديرها إلى عشرة شركات صينية كبرى لكن بكميات محدودة وقواعد صارمة.
بيد أن الأهم من هذه التفاصيل هو ما لم يكتب في البيانات الرسمية، فالمواقف الصادرة عن الجانبين بعد القمة كشفت عن تناقض بنيوي إذ إن بكين تحدثت عن "العلاقات الاستراتيجية البناءة" و"الرفاه المشترك"، بينما تغلغلت واشنطن في ملفات محددة من قبيل بوينغ واللحوم البقرية وفول الصويا. وعلى طاولة أخرى كان ملفا إيران وتايوان هما الشبحان الجالسان، فالصين أصرت على أن "تايوان هي خط أحمر"، بينما تغاضت واشنطن عن ذكرها في بيانها الرسمي.
لكن الحكاية الأكبر تحدث خارج الأروقة، فالعالم يشهد تحولاً عميقاً وتعددية قطبية لم تعد نظرية بل واقعاً يومياً يعيشه ويتحسسه سكان كل قارة، فدول الجنوب العالمي من البرازيل إلى جنوب أفريقيا تتنقل بين الشرق والغرب توزع استثماراتها وشراكاتها، وصندوق النقد الجديد التابع لمجموعة بريكس يقدم بديلاً للدولار ونظام المدفوعات الرقمية الجديد يعمل على تقليل الاعتماد على النظام المالي الغربي. فالولايات المتحدة لم تعد الخيار الوحيد ولم تعد القوة التي تحدد وجهة العالم منفردة.
الملفت أن ترامب الذي دخل التاريخ كرجل الحروب التجارية والتهديدات العسكرية وجد نفسه الآن في موقف يحتاج فيه إلى الاقتصاد لتحقيق السلام. فاقتصاده يعاني وتجارته مع الصين انكمشت بنسبة 29% في عام 2025. أما الحرب في أوكرانيا فتستنزف الخزانة الأميركية والنزاع في الشرق الأوسط يهدد سلاسل التوريد العالمية. ومن هذه النقطة يأتي دور الاقتصاد كجسر للسلام، فالشراكات التجارية والاستثمارات المشتركة ومشاريع البنية التحتية أصبحت أدوات دبلوماسية أكثر فعالية من القنابل. كما أن زيارة ترامب للصين لم تكن مجرد فرصة لتوقيع عقود تجارية، كانت اعترافاً غير معلن بأن قرن الحادي والعشرين لن يُكتب بالرصاص، بل بـ"البطاقات الائتمانية" وشبكات السكك الحديدة والنقل والكوابل البحرية. وقد أشارت إلى ذلك وزيرة الخزانة الأمريكية جانيت يلين حين قالت قبل استقالتها إن الحرب الاقتصادية مكلفة للجميع.
إن مشهد ترامب وهو يسير في مدينة بكين القديمة ونخبة المال الأميركي خلفه يبقى صورة راسخة لنهاية حقبة وبداية أخرى. فأمريكا لا تزال القوة العظمى لكنها لم تعد الوحيدة، والعالم لم يعد مستعداً لأن يكون مسرحاً لصراع بين عملاقين بقدر ما يريد أن يكون ساحة شراكة تعاون مع جرعة من التضامن.
دكتور محمد وهاب عبود/ باحث وأكاديمي
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. هل تسعى أميركا إلى إعادة رسم الجغرافيا العسكرية لمضيق هرمز؟
.. لندن.. مظاهرة تطالب رئيس الحكومة الجديد وقف الإبادة في غزة
.. جولة الصحافة | وول ستريت جورنال تحذر من التصعيد الأمريكي الإ
.. شهداء إثر غارة إسرائيلية بحي النصر في غزة
.. الأسبوع ومابعد | دون ظهور.. رسالة تحذير عاجلة من المرشد للإي