الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تصريحات متضاربة اقتصاد ينتج فيستدين... واقتصاد يستدين لأنه لا ينتج

احمد البهائي

2026 / 5 / 23
الادارة و الاقتصاد


قال د. حسين عيسى نائب رئيس وزراء مصر للشئون الاقتصادية إن مناخ الاستثمار في مصر لا يتجاوز 4 من 10، وإن وضع الدين العام “مأساوي”، اذن فنحن لا نكون أمام مجرد تصريح عابر، بل أمام شهادة رسمية خطيرة صادرة من داخل السلطة نفسها
في حين قد صرح رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن
"مفيش دولة من غير ديون، وأعظم اقتصاد في العالم عنده دين.. وأهم شيء أن تكون الدولة لديها الرؤية في السيطرة على الدين ووضعه في المعدلات الطبيعية.
حين يخرج مسؤول ليقول إن وضع الدين العام في مصر “مأساوي”، بينما يخرج مسؤول آخر ليطمئن الناس بأن “كل دول العالم عليها ديون”، فنحن لا نكون أمام نقاش اقتصادي بقدر ما نكون أمام حالة ارتباك رسمي كاملة، تجعل المواطن والمستثمر معًا عاجزين عن فهم الحقيقة: هل الاقتصاد تحت السيطرة فعلًا أم أن السلطة نفسها بدأت تتحدث بلغة الخطر؟
المشكلة أن خطاب “كل الدول مديونة” أصبح يُستخدم في مصر باعتباره تعويذة سياسية لتخفيف القلق الشعبي، رغم أن هذه المقارنة في كثير من الأحيان مضللة إلى حد السخرية.
نعم، الولايات المتحدة مدينة. نعم، اليابان مدينة. نعم، الاقتصادات الكبرى تحمل مستويات مرتفعة من الدين. لكن السؤال الذي يتم الهروب منه دائمًا: ما طبيعة الاقتصاد الذي يحمل هذا الدين؟ وكيف يُدار؟ وما قدرته على الإنتاج وتحمل الصدمات؟
خذ اليابان مثلًا، الدولة التي تُستخدم دائمًا كدليل جاهز في أي نقاش عن الديون.
اليابان بالفعل من أعلى دول العالم في نسبة الدين إلى الناتج المحلي، لكن اقتصادها ليس اقتصادًا هشًا قائمًا على الاستيراد والاقتراض المستمر لتغطية الفجوات الأساسية. اليابان قوة صناعية وتكنولوجية عملاقة، تمتلك قاعدة إنتاجية هائلة، وشركات عالمية تضخ الثروة في الاقتصاد بصورة مستمرة، وعملة قوية، وفائضًا معرفيًا وصناعيًا يجعل الدين جزءًا من دورة توسع اقتصادي لا مجرد وسيلة لتأجيل الأزمة.
ثم إن الجزء الأكبر من الدين الياباني ممول داخليًا ويحمله اليابانيون أنفسهم ومؤسساتهم المالية، لا أموال ساخنة تبحث عن أول باب للهروب عند أول اهتزاز سياسي أو نقدي.
أما في مصر، فالوضع مختلف تمامًا.
اقتصاد يعاني من ضعف التصنيع، واتساع الفجوة الاستيرادية، وتراجع القدرة التصديرية، واعتماد متزايد على مصادر ريعية وخدمية شديدة الحساسية مثل السياحة والتحويلات والأموال الساخنة.
اقتصاد يتحول فيه أي ضغط على الدولار إلى موجة تضخم، وأي أزمة خارجية إلى أزمة معيشية داخلية يدفع ثمنها المواطن فورًا في الغذاء والدواء والطاقة.
لذلك فإن المقارنة بين ديون مصر وديون اليابان ليست مقارنة اقتصادية بقدر ما هي محاولة للهروب من جوهر الأزمة.
فالدين في الاقتصاد الإنتاجي قد يكون أداة للنمو والتوسع، أما الدين في الاقتصاد الهش فقد يتحول إلى حبل طويل يؤجل الاختناق فقط.
والأخطر من حجم الدين نفسه هو طريقة الخطاب الرسمي عنه.
فحين يقول مسؤول إن الوضع “مأساوي”، بينما يخرج خطاب آخر ليؤكد أن “الأمور طبيعية”، فإن الرسالة التي تصل للأسواق ليست الطمأنينة، بل الارتباك.
والمستثمر لا يخاف فقط من الأزمات، بل يخاف أكثر من غياب الرواية الواضحة داخل الدولة نفسها.
لأن الاقتصاد لا يُدار بالشعارات العامة من نوع “كل الدول مديونة”، ولا بالمقارنات السطحية التي تتجاهل الفارق بين اقتصاد يصنع التكنولوجيا واقتصاد يستورد معظم احتياجاته الأساسية.
ولا يكفي أن تقترض دولة حتى تصبح شبيهة باليابان، تمامًا كما أن امتلاك سماعة طبيب لا يحول أي شخص إلى جرّاح قلب.
الحقيقة الأكثر قسوة أن الأزمة لم تعد فقط في الدين، بل في محاولة تسويق الدين وكأنه دليل قوة، بينما المواطن يرى يوميًا تآكل قدرته الشرائية، وانخفاض قيمة العملة، وارتفاع الأسعار، واتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الفعلي.
ولهذا فالسؤال الحقيقي لم يعد: “هل توجد ديون؟”
بل: ماذا ينتج هذا الاقتصاد أصلًا؟
وكم مرة يمكن إعادة تدوير الأزمة قبل أن يصبح الاقتراض نفسه جزءًا من المشكلة لا وسيلة للحل؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. متسابق بـ«دولة التلاوة»: المنافسة شريفة والمسابقة أيقونة لمح


.. رؤية الأمير الوالد قادت التحول الاقتصادي ورسخت مكانة قطر الع




.. قراءة اقتصادية | التوتر الأمريكي الإيراني ينعكس على أمن المل


.. الصين تزيد مشترياتها من الذهب.. فهل تنجح في بناء نظام مالي أ




.. الخامسة | ترمب يعيد حصار إيران.. واسترداد كميات ضخمة من الذه