الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


هل يمكن للعراق تطبيق تجربة كوريا الجنوبية والهند في دعم ريادة الأعمال؟

سهام يوسف علي

2026 / 5 / 24
الادارة و الاقتصاد


تتكرر في الخطاب السياسي والاقتصادي في العراق ، ومنها ما طرحه رئيس المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، السيد همام حمودي، دعوات للاستفادة من تجارب دول مثل كوريا الجنوبية والهند، خصوصاً في ما يتعلق بالتحول نحو الاقتصاد المنتج، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع الشباب على ريادة الأعمال بدلاً من الاعتماد على التوظيف الحكومي. هذه الدعوات تبدو منطقية وجذابة، لكنها تطرح سؤالاً أساسياً: هل تتوفر في العراق الشروط التي سمحت أصلاً بنجاح تلك التجارب؟
في كوريا الجنوبية، لم يكن التحول الاقتصادي نتيجة سياسات تشجيع فردية فقط، بل جاء ضمن مشروع دولة متكامل استمر لعقود. ركزت الدولة على التعليم التقني عالي الجودة، وربطت التعليم بالصناعة بشكل مباشر، واستثمرت بكثافة في البنية التحتية والإنتاج الصناعي، ووجهت الاقتصاد نحو التصدير والمنافسة العالمية. كذلك وفرت بيئة مؤسساتية مستقرة، وسياسات اقتصادية طويلة الأمد لم تتغير مع كل حكومة جديدة.
أما في الهند، فقد اعتمدت التجربة على تطوير قطاع تكنولوجي متقدم، خصوصاً في مجالات البرمجة والخدمات الرقمية، إلى جانب نظام جامعي قوي في التخصصات العلمية، وانفتاح تدريجي على الاستثمار الأجنبي، وبيئة سوق واسعة تسمح بنمو الشركات الناشئة، رغم التفاوت الاجتماعي والتحديات الداخلية.
عند مقارنة ذلك بالواقع العراقي، تظهر الفجوة بوضوح. فاقتصاد العراق ما يزال يعتمد بشكل كبير على الريع النفطي، ما يعني أن الدولة ليست منتجة بالمعنى الصناعي أو التكنولوجي، بل تعتمد على مورد واحد رئيسي. هذا النموذج الريعي يضعف ديناميكية القطاع الخاص ويجعل الدولة هي المصدر الأكبر للتوظيف والدخل.
من جهة أخرى، يعاني النظام التعليمي من ضعف في الربط بين التخصصات الأكاديمية واحتياجات السوق، خصوصاً في المجالات التقنية والصناعية. كما أن منظومة التمويل الموجهة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة ما تزال محدودة، سواء من حيث حجم القروض أو من حيث وجود مؤسسات مالية متخصصة قادرة على احتضان الشركات الناشئة في مراحلها الأولى.
إضافة إلى ذلك، فإن البيئة المؤسسية والسياسية تلعب دوراً حاسماً في أي عملية تحول اقتصادي. فالتجارب الناجحة اعتمدت على استقرار السياسات الاقتصادية لعقود، بينما يعاني العراق من تذبذب في القرارات الاقتصادية والإدارية، وتغير الأولويات مع كل مرحلة سياسية، ما يضعف ثقة المستثمرين ويقلل من استمرارية المشاريع.
كما أن ضعف التنوع الاقتصادي، خصوصاً في القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية الإنتاجية، يجعل الاقتصاد العراقي أقل قدرة على خلق فرص عمل مستدامة خارج القطاع العام. وهذا يعمق من ظاهرة انتظار التوظيف الحكومي بدلاً من خلق فرص في القطاع الخاص.
مع ذلك، لا يمكن تجاهل أن العراق يمتلك عناصر قوة مهمة. فهناك شريحة شبابية واسعة، وطاقات بشرية قابلة للتطوير، وسوق داخلي كبير، إضافة إلى موارد مالية يمكن أن تتحول إلى رافعة تنموية إذا أُديرت بشكل صحيح. لكن هذه العناصر تبقى كامنة ما لم تتحول إلى منظومة اقتصادية متكاملة.
أن المشكلة لا تكمن في غياب الأفكار أو الطموحات، بل في غياب البيئة التي تسمح بتحويل هذه الأفكار إلى واقع اقتصادي. لذلك، فإن الحديث عن “تطبيق نموذج كوريا أو الهند” يجب أن يُفهم كهدف بعيد المدى، لا كخطة قابلة للنسخ المباشر، لأن التجارب الاقتصادية لا تُستورد، بل تُبنى عبر مؤسسات وتعليم وصناعة واستقرار طويل الأمد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قراءة اقتصادية.. سيناريوهات أسعار النفط بعد إغلاق هرمز وعودة


.. قراءة اقتصادية.. أزمة هرمز تهدد الأسواق العالمية وتنعكس على




.. برفقة 12 وزيرا.. رئيس الوزراء الفرنسي يبدأ زيارة إلى المغرب،


.. قراءة اقتصادية | كيف يؤثر إغلاق هرمز على حركة السفر في أوروب




.. رئيس وزراء العراق في واشنطن.. شراكة اقتصادية وضغوط لحسم ملف