الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
مفهوم الخطاب بين الجاحظ وجيمس بول جي
حيدر حميد
2026 / 5 / 24دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
بحثُ في التراث اللساني العربي أمرٌ مهم لا يمكن الفكاك منه، فهو يحمل في ثناياه نظريات وآراء تستحق التوقف والتفكيك. لا يكفي أن نقرأ العلوم من باب واحد أو من ثقافة واحدة، بل لا بد أن نخوض في لُجّة العلوم حتى نقف على عتبة الرؤية التي تتعامل مع اللغة وكيف تجلّت في خبرة الإنسان.
يبقى مفهوم الخطاب هو المصطلح الذي عاش ويعيش في كنف اللسانيات ويحظى بتصورات متعددة حسب كل مدرسة ترى فيه موضوعا للنقاش وتقدم رؤيتها فيه، ولكن في نهاية المطاف لا بد أن يكون هناك تصور شامل له. فان دايك يقول: (النص زائد السياق يساوي الخطاب)، والبعض يقول إن الخطاب يتجاوز الجملة ليكون أكثر من جملة، أي نصًا طويلًا، والقائمة تطول. دائمًا أكرر مع الأصدقاء عبارتي: (النصوص نائمة، وما إن تُقرأ حتى تستيقظ). لا خطاب دون تلقي، والكلمة كما يقولون تبقى حيادية تعيش عالمها القصي ما دامت مفردة تقطن في فضاء اللغة، ولكنها كما يقول عبد القاهر الجرجاني، حين تنتظم الكلمة مع الأخرى تصبح كلامًا، وبالتالي تخرج من مفهوم الحياد وتصبح متهمة.
قرأت تراث جيمس بول جي، وهو عالم لغويات أمريكي له العديد من المؤلفات في تحليل الخطاب وفي اللسانيات الاجتماعية وتعليم اللغة والقراءة، ومن أهم الكتب التي قرأتها له: (How to Do Discourse Analysis) و(An Introduction to Discourse Analysis: Theory and Method). لم يكن تخصصي في اللسانيات الإنجليزية مقتصرًا على التوقف عند عتبات النظريات الغربية فقط، بل دفعني الفضول المعرفي إلى الخوض في تراث اللسانيات العربية عند الجاحظ والسكاكي وعبد القاهر الجرجاني وغيرهم. اكتشفت قارات من الآراء الثمينة المختبئة في أروقة الكتب البلاغية.
الجاحظ الذي أراه صاحب السبق في تقديم مفهوم الخطاب وتحليل الخطاب، ولكن دون أن يذكره بهذا المصطلح المتداول عندنا، إلا أن ثمراته وتجلياته كانت بادية في أنفاس الفجر الأولى لدراسة اللغة. إن أقرب مصطلح يقابل الخطاب عند الجاحظ هو البلاغة. ينقل لنا الجاحظ عددًا من الآراء في مفهوم البلاغة في كتابه البيان والتبيين:
أخبرني أبو الزبير كاتب محمد بن حسان، وحدثني محمد بن أبان، ولا أدري كاتب من كانا، قالا: قيل للفارِس: ما البلاغة؟ قال: معرفة الفصل من الوصل. وقيل لليوناني: ما البلاغة؟ قال: تصحيح الأقسام واختيار الكلام. وقيل للرومي: ما البلاغة؟ قال: حسن الاقتضاب عند البداهة، والغزارة يوم الإطالة. وقيل للهندي: ما البلاغة؟ قال: وضوح الدلالة وانتهاز الفرصة وحسن الإشارة. وقال بعض أهل الهند: جماع البلاغة البصر بالحجة، والمعرفة بمواضع الفرصة.
وهناك أيضًا أكثر من رأي حول مفهوم البلاغة، وجميعها تدور في دائرة أن البلاغة هي القدرة على بيان المعنى وإفهامه وإيصاله إلى المتلقي على الوجه الأنسب للمقام بما يحقق التأثير المطلوب. وهكذا تكون البلاغة ميزة من مميزات الكلام، وهذا ما يجعل البلاغة خطابًا، لأنها تتمحور حول إفهام المتلقي، وهو محور الحديث، لأن النصوص نائمة، وما إن تُقرأ حتى تستيقظ.
يقدم جميس بول جي مفهوم الخطاب (هو اللغة في الاستخدام، أي اللغة التي تُستخدم واقعًا في الحديث والكتابة وأي وسائل تواصل أخرى في سياقات محددة). كما نرى، فإن الاستخدام هو الأساس في وصف الخطاب، ودون الاستخدام وحضور التلقي لا يمكن اعتبار النص خطابًا. لجي نظرية في الخطاب، وهذه النظرية تشبه كثيرًا ما قام به الجاحظ، ولكن الجاحظ لم يقسم الخطاب ولم يعطه بعدًا اصطلاحيًا محددًا، بل يقدم منظورًا كاملًا للخطاب من حيث اللغة والسياق وكيف يتعاضد كل طرف مع الآخر في إنتاج بنية الخطاب.
ينقل الجاحظ قولًا عن معمر أبي الأشعث، وهو: (قال معمر أبو الأشعث: قلت لبهلة الهندي... ما البلاغة عند أهل الهند؟ قال بهلة: عندنا في ذلك صحيفة مكتوبة لا أحسن ترجمتها لك...). وهذه الصحيفة تسلط الضوء على كيفية اختلاف الخطاب حسب المكان والسياق والعناصر غير اللغوية.يتجلى لنا من خلال النص أن البلاغة (الخطاب) تختلف حسب المتلقي، لذلك قال: (لا يكلم سيد الأمة بكلام الأمة، ولا الملوك بكلام السوقة).
وقد ذكر جي الفكرة نفسها حين يتحدث عن تعديل الخطاب حسب الشخص والمكان، ويقول: إذا كنت تتحدث كرئيس لجنة في الجامعة فستستخدم أسلوبًا معينًا، وإذا كنت تتحدث مع أصدقائك فستستخدم أسلوبًا مختلفًا. ويضيف أن اختلاف طرق الكلام لا يعني النفاق أو الكذب، بل هو داخل في دائرة تكييف الخطاب مع الجمهور حتى يصل إلى ذهن المتلقي ويحدث الإفهام.
لكن الجاحظ يذكر أوصاف المتكلم وكيف يكون شكله وصوته ليس من أجل ملاءمة نوع الحديث كما عند جي، بل من أجل أن يكون الكلام أكثر وقعًا وجزالة، لأن العرب يفضلون صفات معينة في الخطيب حيث الخطابة كانت حرفة وممارسة شائعة في زمن الجاحظ ، وكما نقل الجاحظ( وكانوا يمدحون جهير الصوت ويذمون ضئيل الصوت، ولذلك تشادقوا في الكلام، ومدحوا سعة الفم وذموا صغر الفم), الا ترى كيف يصف لنا الخطيب؟. كأن اللغة لا تقوى على الفكاك من عالم الاجتماعي والصوري للمتحدث.
يتبين لنا أن البلاغة (الخطاب) تختلف حسب المتلقي، كما أشار الجاحظ في خطاب الملوك وخطاب العامة. ويبدو أن جي يسير إلى تقسيم الخطاب إلى خطاب صغير (discourse) وخطاب كبير (Discourse) في كتابة : مقدمة في تحليل الخطاب: النظرية والطريقة. فالخطاب الصغير هو اللغة المنطوقة والكلمات في حدث فعلي، أما الخطاب الكبير فهو البنية الاجتماعية التي ترافق اللغة، مثل اللباس والشكل والخلفية الاجتماعية والاعتقادات وغيرها من الهيكل العام، كما في مثال الانتماء إلى عصابة والاشكال والألوان من اللباس وطرق التصرف.
يبدو أن الجاحظ أقدم في مسار التفكير اللغوي حول الخطاب من جي، إذ قدّم مفهوم الخطاب في إطار البلاغة، وكذلك في هياكل لغوية وغير لغوية، كما هو عند جيمس بول جي، لكن الفرق أن الجاحظ لم ينحت مصطلح "الخطاب"، بل تحدث عن الكلام والبلاغة. ولا ننسى أن ابن جني فرّق بين القول والكلام، فقال إن الكلام هو ما يحمل معنى وفائدة، بخلاف القول الذي يبقى في دائرة الأصوات ,ومع الجاحظ نعيش أولى تجليات تحليل الخطاب، وهو يسبك خطوطه العريضة من خلال آلية التلقي، وكذلك البعد الشكلي والخارجي للمتكلم في سياق الحديث.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. 7 شهداء في قصف إسرائيلي استهدف نقطة للشرطة بمخيم جباليا
.. إيران تعلن استهداف قاعدة الأزرق في الأردن بالمسيرات
.. ترمب: الضربات على إيران ستستمر حتى أقول إن هذا يكفي
.. حامل اللقب يستعد.. الأرجنتين تنهي تحضيراتها للمباراة أمام إن
.. طهران تعلن استهداف غارات أمريكية لثكنة للجيش الإيراني بمحافظ