الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


كيف تحول -التمرير- إلى أداة لقياس الوجود؟

إكرام فكري

2026 / 5 / 24
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


لا يحدث الأمر لأن أحدًا قرر فجأة أن حياته أقل قيمة من حياة غيره. بل في لحظة بسيطة جدًا، بمجرد أن تمرر إصبعك على شاشة الهاتف، تبدأ بشكل غير واعٍ في الدخول إلى حالة صامتة من المقارنة. لا تشعر أنك تقارن، لكنك تفعل ذلك تلقائيًا. ترى حياة، ثم أخرى، ثم عشرات المشاهد المتتالية. ومع كل مشهد، يتشكل بداخلك معيار جديد لما "يجب" أن تكون عليه الحياة.

المقارنة هنا ليست فكرة عقلانية، بل إحساس يتراكم تدريجيًا عبر طبقات نفسية ثابتة. هو شعور بأن ما تعيشه الآن يوضع بشكل غير علني بجانب ما تراه على الشاشة. ومع الوقت، يتحول هذا التمرير العابر إلى تجربة وجودية. كل حياة تُعرض تصبح مرجعًا، وكل لحظة تعيشها تصبح قابلة للقياس، حتى دون أن تدرك ذلك.

في البداية، تظهر الحياة الأولى. حياة الطبقة الأرستقراطية، حياة العائلات العليا التي وُلدت في القمة أصلًا. هنا، يبدو كل شيء مثاليًا بشكل طبيعي. بيوت واسعة، أسماء معروفة، تعليم مرموق، وحضور اجتماعي ثابت داخل البنية الاجتماعية.
الصور هنا لا تُصنع لإثبات شيء، بل لتوثيق حياة مكتملة أصلًا. تفاصيل يومية تبدو سلسة دون صراع ظاهر. لا أحد يفكر في الإبهار، لأن الحياة نفسها تُعتبر "طبيعية أن تكون في الأعلى". الجسد هنا لا يُقدم كرسالة أو وسيلة للاعتراف. بل يُرى كجزء من حضور اجتماعي مُسلّم به. القيمة هنا ليست شيئًا يُنتَج أو يُسوّق، بل هي "بنية" ينتمي إليها الشخص. وهذا يتقاطع بقوة مع سوسيولوجيا بيير بورديو حول "رأس المال الثقافي والرمزي" الذي يُعاش كطبيعة ثانية دون تكلّف. ولهذا تبدو هذه الحياة مغلقة من ناحية الصراع المفتوح. ليس لأنها بلا مشاكل، بل لأنها لا تعيش سؤال "هل نحن مرئيون؟" من الأساس.

ثم تنتقل إلى الحياة الثانية. وهنا يبدأ التوتر الحقيقي في الظهور؛ حياة المؤثرين وصناعة الانطباع. الظهور يصبح شرطًا أساسيًا للوجود الاجتماعي بناءً على الفكرة الفلسفية القديمة: (أن تكون يعني أن تُدرك). لا يكفي هنا أن تعيش اللحظة، بل يجب أن تعرضها بطريقة تجعل الآخرين يلاحظونها ويشعرون بقيمتها. كل شيء مُعاد ترتيبه: الجسد، المكان، الإضاءة، والتعبير. اللحظة تُهذّب وتمر عبر رقابة بصرية صارمة قبل نشرها. الجسد هنا ليس حضورًا طبيعيًا، بل رسالة مستمرة وعرض محسوب بدقة.

في هذا السياق، يتحول القرب، والاهتمام، والمتابعة إلى أدوات تبادل للحصول على الاعتراف.

ثم تنتقل إلى الحياة الثالثة. حياة الكفاح والواقع، وهي الحياة الأكثر حقيقية وأصالة، لكنها في نفس الوقت "الأقل مرئية". هنا لا يوجد وقت كافٍ لصناعة صورة مثالية، ولا طاقة لتحويل كل لحظة إلى عرض بصري. يعيش الناس بشكل مباشر أكثر: عمل، دراسة، تعب، ومحاولات متكررة لبناء الذات من الصفر أو من نقاط متأخرة. هذه الحياة تبدو أقل وزنًا وقيمة لمجرد أنها غير مرئية.
فتاة تبدأ أول وظيفة وهي تحمل توتر البدايات، شاب يعود من عمل مرهق لكنه يستمر، وإنسان في الغربة يحاول الحفاظ على استمراريته فقط. هذه الحياة ليست غير مهمة، لكن مشكلتها الحقيقية أنها "غير مصممة للعرض". صورها بسيطة، غير مرتبة، لكنها تحمل أثر الواقع غير المعدّل. ومع ذلك، بسبب غياب البريق، تبدو في وعي المتلقي وكأنها "أقل وزناً".

ومع تكرار هذا التمرير اليومي، يحدث التحول الأكثر خطورة دون أن ننتبه. لم نعد نرى هذه العوالم كتنوع طبيعي في الحياة. بل بدأنا نقيسها كدرجات في القيمة. الحياة الأرستقراطية تبدو "مكتملة" وثابتة، الحياة الثانية تبدو دافعة نحو السعي للظهور لإثبات الذات، والحياة الثالثة تبدو ككفاح صامت لا يجد دائمًا من يمنحه الانتباه.
ومع الوقت، يتحول السؤال الوجودي من البحث عن المعنى الداخلي والذاتي: "كيف أعيش حياتي؟" إلى سؤال قاسي مستلب ومحكوم بمعيار خارجي واستعراضي: "كيف يجب أن تبدو حياتي… لكي لا أشعر أنها أقل من حياة الآخرين؟" هذا هو جوهر استلاب الهوية في العصر الرقمي. حيث تفقد الذات مركزها. تصبح نظرة الآخر

وهكذا، تتحول الشاشة من نافذة نرى من خلالها العالم إلى ميزان غير معلن نحكم به على الحياة نفسها. المأساة الوجودية هنا ليست في اختلاف الظروف، بل في تأثير المقارنة على هويتنا. إنها تحول التنوع الطبيعي إلى "تراتبية".








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. خلفية التصعيد في هجمات إيران على الأردن • فرانس 24


.. أمريكا تحذر من تصعيد مفاجئ بالمنطقة ومقتل جنديين وفقدان آخر




.. خبير عسكري يكشف سر صاروخ إيران الفرط صوتي الموجه للأردن وسين


.. هجوم مباشر من المرشد الإيراني على الرئيس الأميركي




.. انفجارات عنيفة تدوي في كردستان العراق