الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


لماذا ينظر الروس إلى أوكرانيا كحرب أهلية؟

زياد الزبيدي

2026 / 5 / 24
مواضيع وابحاث سياسية


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

25 أيار مايو 2026

في مقالٍ نشرته وكالة REGNUM الروسية للأنباء يوم 20 أيار/مايو 2026، يقدّم الباحث والمحلل السياسي الروسي غيفورغ ميرزايان قراءة لافتة لمسار الحرب الروسية الأوكرانية تحت عنوان: «الناحية الإنسانية في العملية العسكرية الخاصة تصبح أكثر براغماتية».
لكن المقال لا يدافع عن السلوك الروسي في الحرب فحسب، بل يحاول إعادة تعريف العلاقة بين الأخلاق والقوة، وبين الرحمة والحسم، داخل واحدة من أكثر الحروب إستنزافًا وتعقيدًا في أوروبا المعاصرة.
منذ بداية الحرب، حرص الخطاب الروسي الرسمي على تقديم موسكو بإعتبارها قوةً تتجنب «الحرب الشاملة»، وتحرص على تقليل الخسائر المدنية، وعدم تدمير البنية التحتية الأوكرانية بصورة عشوائية.
وبحسب ميرزايان، فإن هذه المقاربة لم تكن مجرد قرار عسكري مؤقت، بل خيارًا إستراتيجيًا واعيًا يرتبط بطبيعة الرؤية الروسية للحرب نفسها.

من «العملية المحدودة» إلى سؤال الحسم

يرى الكاتب أن أحد «السمات الأساسية للعملية العسكرية الروسية منذ يومها الأول كان الطابع الإنساني»، مشيرًا إلى أن موسكو «تجنبت تدمير البنية التحتية المدنية وإمتنعت عن توجيه ضربات واسعة تُحدث خسائر جماعية بين السكان المدنيين».
ويقول إن هذا النهج أثار إنتقادات داخل بعض الأوساط المؤيدة للتصعيد، خصوصًا ممن يقارنون الأداء الروسي بالنموذج الإسرائيلي في إدارة الحروب.
فبحسب المقال، فإن «أنصار الأساليب الإسرائيلية» يرون أن «تدمير حيٍّ سكني كامل من أجل الوصول إلى قائد معادٍ أمر مقبول بل وفعّال».
لكن الكاتب يؤكد أن روسيا «لم يكن بإمكانها التصرف بطريقة مختلفة»، لأنها لا تسعى إلى إنتصار تكتيكي سريع، بل إلى «نصر إستراتيجي طويل الأمد».

موسكو ضد «النموذج الإسرائيلي»

في واحدة من أكثر فقرات المقال حساسية، يحاول ميرزايان رسم فارق أخلاقي وحضاري بين روسيا وخصومها.
فهو يربط بين «الثقافة الأرثوذكسية الروسية» وبين رفض «الإبادة الوحشية»، ملمحًا إلى أن القيادة الروسية، وعلى رأسها فلاديمير بوتين، لا تريد «تحمل خطيئة الإبادة الجماعية».
ويمكن القول أن هذا التوصيف يعكس الطريقة التي تنظر بها النخب الروسية نحو الحرب وتفسيرها أخلاقيًا، لا عسكريًا فقط.
فالخطاب هنا لا يقدّم روسيا كقوة عظمى فحسب، بل كحضارة ترى نفسها مختلفة عن «النماذج الغربية أو الإسرائيلية» في إستخدام القوة.

«نقتل أبناء جلدتنا»

العنصر الأكثر مركزية في المقال يتمثل في الطريقة التي يصف بها الكاتب العلاقة بين الروس والأوكرانيين.
فميرزايان لا يتعامل مع الحرب بوصفها صراعًا بين شعبين منفصلين، بل يعتبر أن «الأوكرانيين هم الروس أنفسهم، لكن بعقول جرى غسلها بالدعاية النازية».
ومن هنا، فإن الحرب ـ بحسب منطقه ـ تحمل طابعًا أهليًا أو داخليًا أكثر من كونها حربًا تقليدية بين أمّتين منفصلتين.
ويشير إلى أن كثيرًا من الروس «لديهم أصدقاء وأقارب على الجانب الآخر من الجبهة»، ولذلك فإن «الحرب في أوكرانيا ليست حربًا ضد غرباء».
هذه الفكرة تفسر ـ وفق المقال ـ سبب تجنب موسكو للقصف الشامل أو التدمير الكلي للمدن الأوكرانية، لأن روسيا، بعد إنتهاء الحرب، ستبقى مضطرة للتعايش مع هذا المجتمع، بل ودمج أجزاء منه داخل الفضاء الروسي سياسيًا وإجتماعيًا.

معضلة الإنسانية الطويلة

لكن النص لا يبقى عند حدود التبرير الأخلاقي، بل ينتقل إلى مراجعة واقعية أكثر قسوة.
فالكاتب يعترف ضمنيًا بأن «الإنسانية الروسية» أدت إلى إطالة أمد الحرب، وزيادة الإستنزاف العسكري والإقتصادي، ومنحت كييف وقتًا إضافيًا لإعادة بناء قدراتها بدعم غربي متواصل.
ويشير إلى أن القيادة الروسية كانت تراهن سابقًا على أن «الضغط الشعبي» سيدفع أوكرانيا نحو حل دبلوماسي، لكن هذا الرهان تراجع مع إستمرار الدعم الأوروبي والأمريكي لكييف، سواء عبر القروض المالية أو المساعدات العسكرية أو الطائرات المسيّرة.
وبحسب المقال، فإن كييف «لم تعد تبحث عن تسوية»، بل أصبحت مستعدة لمواصلة الحرب لسنوات إضافية بفضل المساندة الغربية.

عندما تصبح الإنسانية «غير إنسانية»

هنا يصل ميرزايان إلى الفكرة المحورية في مقاله.
فهو يقول إن «الإنسانية الروسية بصيغتها الأصلية أصبحت تؤدي إلى نتائج غير إنسانية».
أي أن محاولة تجنب التصعيد والحفاظ على سقف منخفض نسبيًا من العنف لم تعد ـ بحسب رأيه ـ تقلل الضحايا، بل باتت تطيل زمن الحرب، وبالتالي تزيد الخسائر البشرية لدى الطرفين.
ويضيف أن إستمرار الحرب سمح لأوكرانيا بتوسيع هجماتها داخل العمق الروسي بإستخدام أسلحة غربية بعيدة المدى، مستهدفة «المباني السكنية والمنشآت النفطية والبنى التحتية».
وهكذا ينتقل الجدل الروسي من سؤال: «كيف نتجنب العنف المفرط؟» إلى سؤال آخر أكثر براغماتية وخطورة: «هل يؤدي ضبط النفس المفرط إلى حرب أطول وأكثر دموية؟»

الغرب يقرأ الإعتدال كضعف

يتوقف الكاتب أيضًا عند البعد الإعلامي والنفسي للحرب.
فهو يرى أن «الإعتدال الروسي» جرى تقديمه غربيًا وأوكرانيًا بوصفه دليل ضعف لا دليل قوة، الأمر الذي شجع الغرب على مواصلة دعم كييف، ورسّخ قناعة بإمكانية إنهاك روسيا عبر حرب إستنزاف طويلة.
كما يشير إلى أن هذا الإنطباع أستُخدم داخل روسيا نفسها لإثارة الإنتقادات ضد القيادة الروسية، وإتهامها بالتردد أو بعدم الرغبة في الحسم.
ومن هنا، فإن المقال يعكس تحوّلًا متزايدًا داخل بعض الأوساط الروسية، من الدفاع عن «الحرب المحدودة» إلى المطالبة بسياسات أكثر صرامة وقسوة لتحقيق الحسم.

إعادة تعريف الردع الروسي

في جوهره، لا يدعو نص ميرزايان صراحةً إلى «الحرب الشاملة»، لكنه يهيئ الأرضية الفكرية لفكرة جديدة داخل الخطاب الروسي: أن «الإنسانية الفعّالة» قد تتطلب أحيانًا قدرًا أكبر من القسوة العسكرية إذا كان ذلك سيؤدي إلى إنهاء الحرب بسرعة أكبر.
وهنا تتقاطع الأخلاق مع البراغماتية بصورة معقدة.
فالكاتب لا يتخلى عن خطاب «الإنسانية الروسية»، لكنه يعيد تعريفها من منظور إستراتيجي يقوم على تقليل الكلفة النهائية للحرب، لا تقليل العنف في كل مرحلة من مراحلها.

ما وراء المقال

ورغم الطابع التحليلي للنص، فإنه يعكس بوضوح زاوية نظر روسية إلى الحرب وتداعياتها، ويقدّم قراءة تنطلق من أولويات الأمن والإستراتيجية الروسية أكثر مما تنطلق من مقاربة دولية أو محايدة للصراع.
وفي الوقت نفسه، فإن أهمية المقال لا ترتبط فقط بمواقفه السياسية، بل أيضًا بما يكشفه عن النقاش المتصاعد داخل بعض الأوساط الفكرية والإعلامية الروسية حول طبيعة الحرب وحدود القوة ومعنى «الإنسانية» في صراعات الإستنزاف الطويلة.
فالنص يعكس تحوّلًا ملحوظًا في طريقة مقاربة الحرب داخل الخطاب الروسي، من التركيز على فكرة «العملية المحدودة» وضبط التصعيد، إلى نقاش أوسع حول كلفة الحروب الممتدة، وحدود التوازن بين الإعتبارات العسكرية والسياسية والإنسانية.
وفي هذا السياق، يبدو مقال غيفورغ ميرزايان أقرب إلى قراءة تعكس مزاجًا روسيًا آخذًا في التشكل أكثر من كونه مجرد تعليق سياسي عابر؛ مزاجٌ يطرح أسئلة متزايدة حول كيفية إنهاء الحروب الطويلة، وحول ما إذا كانت إستراتيجيات الإحتواء وضبط النفس قادرة وحدها على تحقيق الحسم في صراعات باتت تتجاوز حدود الميدان العسكري إلى صراع إرادات وإستنزاف مفتوح متعدد الأبعاد.

*****

هوامش

غيفورغ ميرزيان

هو أكاديمي ومحلل سياسي روسي متخصص في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية الروسية. يشغل منصب أستاذ مشارك في قسم العلوم السياسية بجامعة العلوم المالية التابعة لحكومة الإتحاد الروسي، كما يعمل باحثًا في معهد الولايات المتحدة وكندا التابع لأكاديمية العلوم الروسية، وهو أحد أبرز مراكز الدراسات الروسية المعنية بالسياسة الأمريكية والعلاقات الدولية.

يُعرف ميرزايان بكتاباته وتحليلاته في الشؤون الجيوسياسية، خصوصًا ما يتعلق بالعلاقات الروسية-الغربية، والحرب في أوكرانيا، والتحولات في النظام الدولي، ويُعد من الأصوات القريبة من المقاربات الروسية الرسمية في تفسير الصراعات الدولية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أخبار الصباح | ليلة نارية في كييف.. صواريخ بالستية روسية تهز


.. القيادة المركزية الأمريكية تعلن انتهاء جولة ثامن أيام الضربا




.. باحث في السياسات الأمنية للجزيرة: أمريكا تستعد لغزو بري فعلي


.. العلاقات الأفغانية الباكستانية عالقة في دائرة لا تنتهي.. فلم




.. عضو كونغرس سابق: استهداف قاعدة الأردن مبرر لتصعيد أمريكي يحر