الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
المعنى بين البلاغة العربية واللسانيات الإدراكية
حيدر حميد
2026 / 5 / 25دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
تشابكت البحوث منذ زمن بعيد حول مفهوم اللفظ والمعنى في كتب البلاغة العربية والإسلامية، كما تشابكت في الدرس اللساني واللغوي الغربي. وقد تبعت ذلك تحولات كبرى في المدارس اللغوية أحدثت انعطافاً مهماً في فهم العلاقة بين الدال والمدلول، ولا سيما في اللسانيات الإدراكية.
سأنطلق من عبد القاهر الجرجاني، ثم أمرّ على المدرسة السوسيرية التي أسهمت بصورة كبيرة في بلورة مفهوم الدال والمدلول بصيغته العلمية، لا بوصفه مجرد آراء متناثرة على هامش البحث الأكاديمي.
يقول عبد القاهر الجرجاني في كتاب دلائل الإعجاز:
«وذلك أن نظم الحروف هو تواليها في النطق، وليس نظمها بمقتضٍ عن معنى، ولا الناظم لها بمقتفٍ في ذلك رسماً من العقل اقتضى أن يتحرى في نظمها ما تحراه. فلو أن واضع اللغة كان قد قال: (ربض) مكان (ضرب) لما كان في ذلك ما يؤدي إلى فساد. وأما نظم الكلم فليس فيه كذلك؛ لأنك تقتفي في نظمها آثار المعاني، وترتبها على حسب المعاني في النفس».
نلاحظ أن هذا النص، المنتمي إلى القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، يكشف أن التكوين المادي للكلمة، أي الحروف، هو نتاج اتفاق ومواضعة بين مستخدمي اللغة للإشارة إلى معنى محدد. وفي الوقت نفسه، فإن الكلمات ليست مجرد أصوات، بل هياكل تعكس الخرائط الذهنية للمستخدمين.
وهذا الشكل المادي المنتج ليس بالضرورة نتاجاً مباشراً للعقل، بمعنى أنه لا يستمد سلطته من العقل في تشكيله، ولذلك فهو خارج نطاق «نظم الكلم» الذي يرتبط بالمعنى ارتباطاً وثيقاً. ويستمر الجرجاني في بيان أن استبدال الحروف لا يضر بالمعنى ما دام هناك اتفاق سابق بين مستخدمي اللغة على الدلالة الجديدة.
أما فرديناند دي سوسير، فقد استخدم مفهومي الدال والمدلول؛ فالدال هو الصورة الصوتية أو الكلمة المؤلفة من الحروف، والمدلول هو الصورة الذهنية أو المعنى المرتبط بها. والعلاقة بينهما اعتباطية من جهة، واتفاقية من جهة أخرى. والاعتباطية هنا تعني عدم وجود تشابه جوهري بين اللفظ والشيء المشار إليه؛ فكلمة «باب» لا تشبه الباب في شكله المادي، وكذلك الأمر بالنسبة إلى سائر الكلمات.
ويقول ليونارد لانغاكر في كتاب النحو الإدراكي (2008): «إن الكلمات هي نقاط وصول أو دخول...». وهذا يعني أن الكلمات لا تحمل المعنى في ذاتها، بل تعمل بوصفها وحدات رمزية. ويضيف أن الكلمات وحدات رمزية تقوم على الربط بين الصوت والمعنى، بحيث يستثير كل منهما الآخر.
ففي اللسانيات الإدراكية لا تشير الكلمات إلى الأشياء الخارجية مباشرة، بل إلى المفاهيم التي تشكلت في عقولنا عنها. وهذه المفاهيم هي نتاج التجارب التي عشناها ونعيشها. ومن هنا لا نجد ما يسمى بالمعنى القاموسي (Dictionary View of Meaning) فحسب، بل نجد أيضاً المعنى الموسوعي (Encyclopedic View of Meaning) الذي يتشكل من خلال الخبرة والتفاعل والإدراك.
فعندما أقول كلمة «سيارة»، فإنها لا تعني فقط التعريف القاموسي الذي يصفها بأنها مركبة ذات أربع عجلات ومحرك، بل تستدعي جميع التجارب والانطباعات والتصورات التي كوّنها الفرد حول السيارة. لذلك تصبح الكلمات بمثابة مثيرات ومحفزات (Prompts) لما هو مخزون في الذهن.
ويقول يحيى بن حمزة في كتاب الطراز:
«الحقيقة في وضع الألفاظ إنما هي للدلالة على المعاني الذهنية دون الموجودات الخارجية».
وهذا تصريح واضح بأن الكلمات تشير إلى معانٍ ذهنية، لا إلى الأشياء الخارجية مباشرة. غير أن هذه المعاني ليست مجرد معانٍ لغوية جامدة، بل تتشكل من خلال التجربة والإدراك.
ويكمل ابن حمزة قائلاً:
«والبرهان على ما قلناه هو أننا إذا رأينا شبحاً من بعيد وظننّاه حجراً سميناه بهذا الاسم، فإذا دنونا منه وظننّاه شجراً سميناه بذلك، فإذا ازداد التحقيق بكونه طائراً سميناه كذلك، فإذا حصل التحقيق بكونه رجلاً سميناه به. فلا تزال الألقاب تختلف عليه باعتبار ما يفهم منه من الصور الذهنية. فدل ذلك على أن إطلاق الألفاظ إنما يكون باعتبار ما يحصل في الذهن، ولهذا فإنه يختلف باختلافه».
ويمثل هذا المثال تجسيداً واضحاً لعملية الإدراك؛ إذ تتغير التسمية بتغير الصورة الذهنية التي تتشكل عبر الحواس، وفي مقدمتها البصر. ومن هنا يصبح الإدراك جزءاً أساسياً من بناء المعنى داخل العقل الإنساني.
ما اللفظ؟ وما المعنى؟ وكيف نجدهما في النص؟
اللفظ هو الكلمة بوصفها وجوداً مادياً مكوَّناً من الحروف والأصوات، وهو مجرد نقطة وصول إلى المعنى الكامن في الذهن. وكما يقول الجرجاني، فإن الألفاظ أوعية للمعاني. ويعبّر يحيى بن حمزة عن ذلك بقوله إن منزلة المعنى من اللفظ كمنزلة الروح من الجسد؛ فكل لفظ لا معنى له بمنزلة جسد لا روح فيه.
أما المعنى فهو أمر عقلي وتجريدي، لكنه لا ينبثق من اللغة وحدها، بل من التجربة الإنسانية المختزنة في الذهن. والكلمات ليست سوى مفاتيح أو نقاط دخول إلى هذا العالم المعرفي.
فماذا نجد في النص؟ نجد كلمات فقط، أما المعنى فلا يكون حاضراً في النص بصورة جاهزة؛ لأن الكلمات تؤدي وظيفة الاستثارة والتحفيز، فتخلق عالماً يلتقي فيه النص بعالم المتلقي الذي تشكل عبر تجاربه الحياتية. ولذلك لا تخرج الكلمات عن كونها تكوينات مادية متفقاً عليها للإشارة إلى التجارب المخزونة في الذهن.
ويقول الجرجاني:
«قد فرغنا الآن من الكلام على جنس المزية، وأنها من حيز المعاني دون الألفاظ، وأنها ليست لك حيث تسمع بأذنك، بل حيث تنظر بقلبك، وتستعين بفكرك، وتعمل رويتك، وتراجع عقلك، وتستنجد في جملة فهمك».
أليس في هذا مؤشر آخر إلى أن المعنى أوسع من أن يكون مجرد معنى لغوي صرف تحمله الكلمات؟ ربما نجد هنا ما يلتقي مع كثير من أطروحات اللسانيات الإدراكية في جعل المعنى فعلاً ذهنياً يتجلى في العقل. ومع ذلك يمنح الجرجاني للنظم دوراً محورياً في تشكيل المعنى؛ فالكلمات المفردة لا تمتلك سلطة المعنى الكاملة بمعزل عن السياق والعلاقات التي تربط الكلمات مع بعضها البعض.
ولهذا يقول:
«إن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلم مفردة، وإنما تكون الفضيلة وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها».
المصادر
1. دلائل الإعجاز، تحقيق محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة.
2. Cognitive Grammar: A Basic Introduction، Oxford University Press، 2008.
3. الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، دار الكتب العلمية، بيروت.
4. Ferdinand de Saussure، Course in General Linguistics، ترجمة ودراسات متعددة حول اللسانيات البنيوي
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الصين تكشف أكبر ملفات الفساد.. مفاجآت صادمة | #ستوديو_وان_مع
.. ماذا كشفت أرقام الملاحة عن تأثير التصعيد في مضيق هرمز؟
.. جولة الصحافة | وول ستريت جورنال: رسوم ترمب على هرمز تخالف ال
.. ترمب: سنضرب إيران بقوة الليلة وغدا وبعد غد وسنستهدف في المرح
.. إيران تعلن -نهاية مذكرة التفاهم- مع أميركا.. والعراق يتمسك ب