الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
العدالة الاجتماعية بين الشعار والإعلان: حين يُدار الفقر بالكاميرا بدل السياسة
احمد البهائي
2026 / 5 / 25المجتمع المدني
العدالة الاجتماعية بين الشعار والإعلان: حين يُدار الفقر بالكاميرا بدل السياسة...
ليس هناك ما هو أكثر راحة للعقل الكسول من اختزال العدالة الاجتماعية في جملة واحدة: “تأخذ من الغني وتعطي للفقير”، وكأن الاقتصاد مجرد جيب كبير نفتح سحّابَه عند الحاجة ونغلقه عند انتهاء الشعور بالإنسانية. وفي المقابل، هناك من يفرغ المفهوم من أي معنى عملي عبر تعقيد لغوي لا ينتهي، فيجلس يتحدث ساعة كاملة عن تعريف العدالة الاجتماعية دون أن يقترب من حياة الناس قيد أنملة، لنجد أنفسنا في النهاية أمام طرفين متناقضين في الشكل، متشابهين في النتيجة: ضياع الفكرة بين تبسيط مخل وتعقيد بلا روح.
الحقيقة أن العدالة الاجتماعية ليست عملية سحب عشوائي من جيب “الغني” إلى جيب “الفقير”، لأنها بهذا الشكل تتحول إلى عقاب للإنتاج وتشجيع على التواكل، وليست أيضًا متاهة فكرية لا تُفهم إلا في المؤتمرات المغلقة. هي في جوهرها نظام توزيع للفرص قبل أن تكون توزيعًا للنتائج، وضمانة حد أدنى من الكرامة عبر التعليم والصحة والبنية الأساسية والعمل، بحيث لا يتحول الفقر إلى قدر دائم ولا يصبح الغنى امتيازًا مغلقًا بلا مسؤولية.
لكن حين تغيب هذه البنية، يظهر بديل آخر أكثر ضجيجًا وأقل كلفة سياسية: الإحسان الممول إعلاميًا. نرى مستشفيات تُبنى في الإعلانات قبل أن تُبنى في الواقع، وآبارًا تُحفر في دقائق مونتاج، وكراتين طعام تُوزع على إيقاع موسيقى حزينة، وأضاحي تُسجل تحت عدسات عالية الجودة، وكأننا أمام دولة تُدار بالتصوير لا بالسياسات. هنا يتحول الفقر من مشكلة إلى محتوى، ومن أزمة إلى حملة، ومن مسؤولية عامة إلى لحظة عاطفية موسمية تنتهي بانتهاء الإعلان.
لا يمكن إنكار أن بعض هذه الجهود تنقذ حياة أو تسد فجوة حقيقية، لكن الخلل يبدأ حين يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وحين يُستبدل الحق بالمنحة، والبنية المستدامة بالحلول الموسمية. فالمريض الذي يُعالج عبر حملة تبرع، والماء الذي يصل عبر إعلان، والغذاء الذي يأتي في كرتونة موسمية، كلها مؤشرات على أن النظام الأساسي إما غائب أو غير كافٍ، وأن المجتمع يُدار بمنطق الإطفاء لا البناء.
الأخطر من ذلك أن بعض هذه الحملات قد تتحول إلى مساحة رمادية بين الخير والاستغلال، حيث تغيب الشفافية عن حجم الأموال المصروفة، وتختفي البيانات الدقيقة عن الأثر الحقيقي، ويُستخدم الألم الإنساني كأداة جذب تمويل، بينما تبقى الأسئلة الصعبة بلا إجابة: أين ذهب المال؟ كم من المشروع تحقق فعليًا؟ وما نسبة ما صُرف على الإعلان مقارنة بما وصل للمحتاج؟
وهنا يظهر سؤال لا يمكن تجاهله: أين الدولة من كل هذا؟ في النموذج الطبيعي، لا تكون العدالة الاجتماعية مشروعًا دعائيًا، بل سياسة عامة. التعليم والصحة والمياه والحماية الاجتماعية ليست مناسبات للتبرع، بل حقوقًا تُمول من نظام ضريبي واضح ومؤسسات تعمل بكفاءة. أما حين يصبح المجتمع المدني والإعلانات الخيرية لاعبًا رئيسيًا في سد الاحتياجات الأساسية، فهذا يعني أن هناك فراغًا في الدور العام، أو على الأقل اختلالًا في أولوية الدولة بين ما يجب أن يكون حقًا وما يُترك لرحمة الحملات.
وقد لا يكون الأمر دائمًا هروبًا مباشرًا من المسؤولية، لكنه في كثير من الأحيان يتحول إلى نوع من إدارة الأزمة بالحد الأدنى: ترك الفجوات مفتوحة، ثم السماح للخير الإعلامي أن يملأ الصورة، فيبدو المشهد أقل سوءًا مما هو عليه فعليًا. وهكذا لا تُحل المشكلة، بل يُعاد تغليفها كل موسم في إعلان جديد، ويستمر الفقر في دورته بينما تتغير فقط الموسيقى الخلفية.
اذا،العدالة الاجتماعية ليست شعارًا يُرفع، ولا إعلانًا يُبث، ولا تعريفًا يُلقى في محاضرة طويلة، بل هي بنية كاملة من السياسات والمؤسسات التي تجعل الحاجة إلى هذه الإعلانات أقل ما يمكن. أما حين تصبح الكاميرا جزءًا من إدارة الفقر، فنحن لا نتحدث عن عدالة اجتماعية، بل عن واقع يُدار بالتصوير، ويُقاس بعدد المشاهدات، لا بعدد الحلول.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. حكم غيابي بإعدام لحميدتي.. هل تنهار قوات الدعم السريع أم تتع
.. تقرير حقوقي يرصد أوضاعا قاسية داخل أكبر مركز لاحتجاز المهاجر
.. أخبار الصباح | رسالة عاجلة من الأمم المتحدة.. أوقفوا الحرب ق
.. من رماد الحرائق إلى الإعمار.. إسبانيا تتحرك لإغاثة متضرري إق
.. الرابعة | انفجارات في مدن إيرانية.. وعُمان تؤكد التزامها بات