الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
علي فالح الزيدي ...وكيف تُدار بغداد بين واشنطن ولندن؟
ليث الجادر
2026 / 5 / 25مواضيع وابحاث سياسية
السياسة في عهدنا الراهن لم تعد مجرد “مكرٍ لتدجين العقول” كما كان يُقال في وصف المراحل الكلاسيكية من اشتغال السلطة، بل تحولت إلى مستوى أكثر حدّة وتعقيداً: “مكرٍ لاستغباء العقول”.
فلم يعد المطلوب من الخطاب السياسي أن يروض الوعي أو يعيد تشكيله داخل حدود القبول، بل أن يُنتج وعياً مُفرغاً من أدوات الفهم نفسها؛ وعياً يستهلك التناقضات بوصفها بديهيات، ويتعامل مع الانفصال بين القول والفعل كأنه انتظام طبيعي، ويقبل بتعدد الروايات دون أن يمتلك القدرة على اختبار أيٍّ منها.
بهذا المعنى، لم تعد السياسة تعمل على تشكيل الإنسان داخل منطقها، بل على دفعه إلى قبول منطق لا يحتاج حتى إلى الإقناع المتماسك.
ومن هنا تحديداً، يصبح الحديث عن كيفية إدارة العراق المعاصر ضرورة لفهم طبيعة السلطة الدولية في زمننا، لا مجرد نقاش محلي حول اسم رئيس وزراء أو خلاف بين الكتل السياسية.
إن من يحاول التعامل مع السياسة الدولية بوصفها سلسلة بيانات علنية وتصريحات صحفية فقط، لا يفهم كيف يُدار العالم فعلاً. فالدول الكبرى لا تتحرك دائماً عبر المؤتمرات والكاميرات، بل عبر التفاهمات المغلقة، والإشارات، والضغوط غير المعلنة، وإعادة ترتيب المواقف خلف الستار.
وحين نعيد النظر في تسلسل الأحداث الأخيرة، يصبح من الصعب تجاهل الترابط الزمني والسياسي الواضح بين أزمة ترشيح نوري المالكي، وتصاعد الخلاف الأمريكي مع الإطار التنسيقي، ثم الإعلان عن الزيارة الملكية البريطانية إلى واشنطن، وصولاً إلى العدول عن المالكي والانتقال نحو ترشيح علي فالح الزيدي.
لقد دخل العراق في ذروة أزمة سياسية بعد إصرار الإطار التنسيقي على إعادة المالكي، وهو ما قوبل برفض أمريكي حاد وصل إلى مستوى التهديدات السياسية المباشرة. وبعد أسابيع من الانسداد والتوتر، أُعلن رسمياً في 31 آذار 2026 عن الزيارة الملكية البريطانية إلى الولايات المتحدة، ثم بدأت الزيارة فعلياً يوم 27 نيسان، وهو اليوم ذاته تقريباً الذي حُسم فيه الانتقال داخل الإطار من خيار المالكي إلى ترشيح الزيدي.
وهنا لا يعود الحديث عن مجرد تقارب زمني عابر، بل عن تزامن سياسي كثيف وقع في لحظة كانت فيها واشنطن تضغط بقوة لمنع عودة المالكي، وسط إعادة ترتيب أوسع للمشهد الإقليمي المرتبط بإيران والعراق والنفوذ الغربي في المنطقة.
ثم ماذا حدث؟
خلال أيام قليلة فقط، بدأ مسار التراجع داخل الإطار، وانتهى الأمر بإسقاط خيار المالكي بالكامل، والانتقال إلى ترشيح الزيدي بوصفه “مخرج الأزمة”.
إن القول إن كل هذا مجرد صدفة زمنية هو تبسيط ساذج لطبيعة السياسة الدولية. فالتزامن هنا ليس عادياً، بل كثيف ومركّب ومنطقي ضمن سياق الضغط الغربي على المشهد العراقي. ولا يحتاج الإنسان إلى وثيقة مسربة مختومة حتى يفهم أن مراكز القوة الدولية تتحرك غالباً بمنطق التفاهمات غير المعلنة.
العالم لا يُدار أمام الكاميرات فقط، بل في المساحات المعتمة بين العواصم الكبرى، وما جرى في العراق خلال تلك الفترة يبدو أقرب إلى إعادة ضبط دولية للمشهد، أكثر منه مجرد خلاف داخلي بين أطراف الإطار التنسيقي.
إن حالة علي فالح الزيدي ليست حادثة سياسية عابرة، بل لحظة كاشفة لطبيعة النظام العراقي كله.
فالرجل لم يصل بوصفه زعيماً جماهيرياً، ولا قائداً حزبياً واسع الحضور، ولا شخصية تشكّلت شرعيتها عبر المجال العام المفتوح.
لقد ظهر على رأس السلطة التنفيذية كنتاج مباشر لبنية سياسية تصنع قراراتها داخل التفاهمات المغلقة، ثم تعلن نتائجها للجمهور باعتبارها “استحقاقات دستورية”.
وهنا تكمن المفارقة الأخطر:
النظام العراقي لا يكتفي بالابتعاد عن الإرادة الشعبية، بل يحاول دائماً تغليف هذا الابتعاد بلغة قانونية ودستورية تمنحه مظهراً شرعياً، حتى حين يكون مناقضاً لروح التمثيل السياسي نفسه.
لقد كانت انتخابات 2010 اللحظة الأكثر وضوحاً في كشف هذا التناقض.
حينها فاز إياد علاوي انتخابياً بصورة صريحة، لكن السلطة لم تذهب إليه.
ومنذ تلك اللحظة ترسخت قناعة واسعة بأن نتائج الاقتراع ليست هي التي تحسم الحكم فعلاً، بل إن السلطة تُعاد صناعتها بعد الانتخابات عبر التحالفات والضغوط والتفسيرات القضائية المسيسة.
وهنا برز الدور الخطير للقضاء السياسي في العراق، لا بوصفه مؤسسة ضامنة للدستور، بل كأداة مرنة تُستخدم لإعادة تأويل النصوص وفق حاجة القوى النافذة.
فالمحكمة الاتحادية التي يفترض أن تكون حارساً دستورياً تحولت، في نظر قطاع واسع من العراقيين، إلى جزء من آلية إنتاج السلطة نفسها.
ولهذا فإن الحديث عن “الشرعية الدستورية” في العراق يبدو أحياناً أقرب إلى الاستخدام الدعائي للمصطلح، لا إلى حقيقة قانونية مستقرة.
فالنظام ذاته يخترق الدستور مراراً حين تعيق نصوصه مصالح القوى المهيمنة، ثم يعود ليستدعي الدستور انتقائياً عندما يحتاج إلى تبرير سياسي أو غطاء شكلي.
ومن هنا تصبح حالة الزيدي ذروة هذا المسار كله.
ليست المشكلة في شخصه بحد ذاته، بل في أن وصوله كشف درجة الانفصال التي بلغتها السلطة عن المجتمع.
فالعراقيون لم يشاهدوا صعوداً سياسياً طبيعياً له، ولم يعيشوا نقاشاً عاماً حقيقياً حول مشروعه أو ثقله الشعبي، بل وجدوا أنفسهم أمام رئيس وزراء خرج من قلب البنية المغلقة للنظام، لا من المجال الجماهيري المفتوح.
لقد بدا بيان إسناد المنصب، بالنسبة لكثيرين، أقرب إلى بيان انقلاب هادئ على روح الديمقراطية نفسها.
ليس انقلاباً عسكرياً تقليدياً، بل انقلاب بنيوي يجعل الانتخابات قائمة شكلياً فيما تنتقل السلطة الفعلية إلى مكان آخر.
وفي هذه اللحظة تحديداً، ظهرت الحقيقة الأكثر قسوة:
أن العراق لا يعيش أزمة تداول سلطة فقط، بل أزمة سيادة أيضاً.
فحين يشعر المجتمع أن أعلى منصب تنفيذي في الدولة يمكن أن يُنتج خارج إدراكه السياسي المباشر، تتولد قناعة خطيرة بأن الدولة نفسها لم تعد تُدار بالكامل من داخل إرادتها الوطنية المستقلة، بل ضمن شبكة معقدة من الإرادات الخارجية والوظائف الإقليمية والتوازنات الدولية.
وهكذا لم يعد علي فالح الزيدي مجرد رئيس وزراء جديد، بل تحول إلى رمز مكثف للحظة تاريخية بلغ فيها الانفصال بين النظام والمجتمع ذروته.
لحظة يمكن وصفها بأنها الأكثر غرابة في تاريخ التجارب السياسية المعاصرة، وبما يفتح سؤالاً بالغ الخطورة حول موقع القرار الحقيقي:
هل ما تزال بغداد تنتج سلطتها من داخلها، أم أن الحكم فيها بات يُدار فعلياً بين واشنطن ولندن ثم يُعلَن محلياً بصيغ دستورية؟
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. القوات الحكومية اليمنية تغير قواعد المواجهة ضد الحوثيين
.. نافذة تحليلية | خطة ترمب لغزة بين التشدد الإسرائيلي والضغوط
.. نشرة إخبارية | سوريا ترد على رسالة نتنياهو من جبل الشيخ.. وت
.. بعد إغلاق قنصليتها في القدس.. هل يتصاعد التوتر بين بريطانيا
.. تسجيل 38 قائمة وحزبا سياسيا في الانتخابات العامة الإسرائيلية