الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


بين مطرقة -الواقعية السياسية- وسندان -العاطفة الجماهيرية-: قراءة في المشهد الكردي المعاصر

مروان فلو

2026 / 5 / 25
القضية الكردية


شهد التاريخ السياسي على مر عصوره فجوةً أزلية بين النخب الحاكمة** وصنّاع القرار من جهة، وبين الجماهير (الشارع) من جهة أخرى. هذه الفجوة ليست وليدة صدام شخصي، بل هي نتاج اختلاف جوهري في زاوية الرؤية؛ فالشارع يتحرك غالباً بدافع العاطفة الوطنية والحقوق المطلقة التي لا تقبل التجزئة، بينما تتحرك النخب وفق محددات "الواقعية السياسية" (Realpolitik) التي تحكمها موازين القوى، المصالح المشتركة، والممكن والمتاح في لحظة تاريخية معينة.
معضلة البيانات: لماذا لا تفهم الجماهير قرارات النخب؟
السبب الرئيس وراء عدم تقبل الشارع لبعض قرارات النخب السياسية يكمن في "فجوة المعلومات" تمتلك النخب السياسية والقيادات غرف عمليات، وقواعد بيانات، وتقارير استخباراتية ودبلوماسية أوسع بكثير مما يتاح لعموم الشعب.
هذه التدفقات من المعلومات والمعطيات الدولية تجبر النخب أحياناً على اتخاذ قرارات "مُرّة" وغير شعبية، بدافع الضرورة والحفاظ على البقاء، في حين يرى الشارع في هذه القرارات تراجعاً أو عدم انسجام مع تطلعاته. فالشارع يرى حقوقه "مطلقة وغير قابلة للتجاوز"، بينما السياسة في جوهرها هي "فن الممكن" وإدارة المتاح.
في علم السياسة، من الضروري بمكان التفريق بين مستويين عند اتخاذ القرار:
1. القضايا المركزية الاستراتيجية: وهي الثوابت الوجودية التي لا يمكن التنازل عنها مهما بلغت التضحيات والتحديات، ولا تخضع لمنطق التفاوض.
2. القضايا الثانوية (التكتيكية): وهي المساحات المرنة التي يمكن التفاوض عليها، وتقديم تنازلات متبادلة فيها كجزء من المناورة السياسية.
الشارع، لعدم إدراكه لهذه التراتبية، قد يفسر أي تنازل تكتيكي ثانوياً على أنه "بيع للقضية" أو استسلام، غافلاً عن أن الواقعية السياسية تفرض أحياناً الانحناء للعاصفة لحماية الجوهر الاستراتيجي.

الحالة الكردية في "روج آفا": واقعية سياسية أم تنازل عن الجوهر؟

تتجلى هذه التناقضات بوضوح اليوم في المشهد الكردي في شمال وشرق سوريا (روج آفا)، وتحديداً في طبيعة العلاقة والجدل الدائر بين الحاضنة الشعبية الكردية من جهة، وبين قيادات قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مجلس سوريا الديمقراطية (مسد)، والإدارة الذاتية من جهة أخرى، خاصة بعد الانكسارات والتحولات الميدانية الأخيرة.

يطرح الشارع الكردي سؤالاً مشروعاً ومنطقياً: هل ما تقوم به الإدارة الكردية اليوم يندرج ضمن المناورة والواقعية السياسية، أم أنه تنازل عن جوهر القضية؟

لعل القراءة العميقة للمشهد تُشير إلى أن ما يحدث اليوم يقع في خانة "شراء الوقت" والتريث الاستراتيجي. إن الانحناء المؤقت أمام العواصف الدولية ليس ضعفاً، بل هو ضرورة حتمية لإعادة ترتيب البيت الكردي، ورص الصفوف، وتصويب الأخطاء السابقة وفق خطة مدروسة زمنياً، واقتصادياً، وعسكرياً. فالهدف هو البقاء حتى تتغير الظروف الداخلية والإقليمية والدولية لصالح القضية.

قلق إقليمي محيط: جردة حساب للتحولات الراهنة
يعيش المجتمع الكردي اليوم حالة من القلق الشديد على مستقبله في كافة أجزاء كردستان، لاسيما في ظل المتغيرات المتسارعة التي تعيد رسم خارطة التحالفات:
شرق كردستان (روج هلات) وإيران: تقف المنطقة على صفيح ساخن جراء الحرب والتوترات المستمرة التي تشهدها إيران، وما تحمله من ارتدادات مباشرة على الكرد هناك.
الداخل التركي وتحولات المعارضة: يبرز مشهد معقد في تركيا، تمثل مؤخراً في فرض رئيس جديد على حزب الشعب الجمهوري (CHP)، وهو ما يعكس إعادة تموضع للقوى القومية والسياسية التركية.
إفراغ "قضية السلام" من مضمونها: إن أطروحات السلام التي تُسوّق لها أنقرة مؤخراً تحورت بشكل خطير؛ فبدلاً من أن تكون مساراً للاعتراف بالمكون الكردي الأصيل وتثبيت حقوقه دستورياً، تحولت إلى غطاء لشعار "مكافحة الإرهاب" وتصفية المكتسبات الكردية، مما يفرغ أي تقارب من جوهره الحقيقي.

نصيحة للمستقبل: التفاف الشارع حول القيادة ضرورة وجودية
بناءً على هذه المعطيات المعقدة، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الحركة السياسية الكردية اليوم هو *تشرذم الحاضنة الشعبية وابتعادها عن قيادتها. إن إضعاف الثقة بين الشعب والإدارة السياسية والعسكرية في هذه المرحلة الحرجة سيلعب دوراً كارثياً وسلبياً على المجتمع الكردي ككل، وسيقدم خدمة مجانية للمتربصين بالمشروع الكردي.

خلاصة القول:
إن الصبر الجماهيري، والوعي بالظروف الموضوعية، والالتفاف حول مراكز القرار الكردية ليس شيكاً على بياض للقيادة، بل هو مسؤولية قومية. على الشارع الكردي أن يدرك أن إدارة الأزمات الدولية تتطلب دهاءً وتنازلات تكتيكية مريرة لحماية "الوجود الكردي" وثوابته الاستراتيجية، وأن وحدة الصف هي الصخرة الوحيدة التي يمكن أن تتحطم عليها المؤامرات الإقليمية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. منظمة حقوقية تقاضي ترمب بسبب التستر على -جرائم إسرائيل-


.. ما السياسة التي تنتهجها القوى الغربية تجاه الانتهاكات الإسرا




.. جرائم سجون الاحتلال ضد الأسرى و-ازدواجية المعايير الدولية-..


.. خارج الصندوق | حماس في مواجهة الأمم المتحدة.. من يعرقل وصول




.. حكم غيابي بإعدام لحميدتي.. هل تنهار قوات الدعم السريع أم تتع