الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الدوغمائية: حين يتحول الإنسان إلى سجين لفكرة

جعفر حيدر

2026 / 5 / 26
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


بقلم جعفر حيدر

تُعدّ الدوغمائية من أشدّ الأمراض الفكرية التي قد تُهلك كرامة الإنسان وعقله وتدفعه تدريجيًا إلى فقدان قدرته على التفكير الطبيعي، وهي من أخطر وآخر مراحل التعصب الفكري المتشدد، لأن الإنسان حين يصل إلى هذه المرحلة لا يعود يرى الحقيقة كما هي، بل يراها فقط من خلال مذهبه أو جماعته أو الحزب الذي ينتمي إليه، فيتحول العقل من أداة للتفكير إلى أداة للدفاع الأعمى، ويتحوّل الإنسان من كائن يمتلك رأيًا إلى نسخة مكررة من خطيب أو سياسي أو رجل دين أو قائد ميليشيا، يردد نفس الكلمات والشعارات والهتافات دون أن يسأل نفسه للحظة واحدة: هل ما أقوله منطقي أصلًا؟ وهل يعقل أن العالم كله يتحرك فقط من أجل مذهبي أو طائفتي؟ ومن يُصاب بهذا المرض إمّا أن يصبح عدوانيًا مع أبناء شعبه من بقية الطوائف بحجة أن مذهبه هو الصحيح المطلق وأن الجميع ضالون أو خونة أو عملاء، أو يصل به الأمر إلى الاستعداد للتضحية بخمسة وأربعين مليون إنسان فقط بحجة “إنقاذ المذهب” من أمريكا وإسرائيل، وكأن أمريكا في إحدى الصباحات الباكرة تستيقظ وتقول: هيا لنترك اقتصادنا ومصالحنا وشعوبنا وأزماتنا وحروبنا الداخلية ونذهب لندمر المذهب الشيعي أو السني أو المسيحي في العراق أو الشرق الأوسط، رغم أن هذه المذاهب لا تشكل لها أي تهديد حقيقي مباشر، لكن الدوغمائي يعيش داخل عالم متخيل صُنع له بعناية، عالم قائم على الخوف الدائم ونظرية المؤامرة والشعور المستمر بأن الجميع يريد القضاء عليه، وهذا النوع من الغباء الفكري لم يولد صدفة، بل صُنعته الأحزاب وكبار تجار الطائفية الذين يتحدثون باسم الدين والمذهب بينما يعيش بعضهم حياة مليئة بالتناقضات والفساد والانغماس في الملذات، ثم يخرجون للناس بخطابات البكاء والحماسة والشعارات التي تُشعل العواطف وتُعطل التفكير، وتم بناء هذه الحالة من خلال القصائد والهتافات والخطب والشعارات الطائفية ذات التأثير العاطفي القوي، حتى أصبحت بعض الجماهير تتفاعل مع القصيدة أكثر مما تتفاعل مع الواقع الذي تعيشه، وصار التصفيق أهم من التفكير، والانفعال أهم من المنطق، بينما الحقيقة البسيطة التي يرفض المتعصب الاعتراف بها هي أن المذاهب ليست هشة إلى هذه الدرجة، فالمذهب الشيعي مثلًا ليس مطبخًا أو حمامًا شعبيًا حتى ينهار بين ليلة وضحاها، بل هو مذهب عريق يمتلك تاريخًا طويلًا وأساسًا فكريًا وعقائديًا متينًا بناه الإمام علي ورسول الإسلام محمد عليهم أفضل الصلاة والسلام، ومن السذاجة أن يعتقد الإنسان أن هذا البناء العظيم يمكن أن يسقط بسبب تصريح سياسي أو حرب إعلامية أو خلاف عابر، فالمذاهب التي صمدت مئات السنين أمام الحروب والقتل والانقسامات لا يمكن أن تهتز بهذه السهولة التي يتخيلها أصحاب العقول المعبأة بالخوف، وحاشا لأولئك العظماء أن يكون أساس ما بنوه هشًا أو ناقصًا، أما إذا كانت المشكلة الحقيقية ليست في المذهب نفسه بل في واقع المسلمين وسلوكهم وتخلفهم وصراعاتهم الداخلية، فهنا يصبح الحديث مختلفًا تمامًا، لأن أزمة المسلمين اليوم ليست أزمة عقيدة بقدر ما هي أزمة وعي وعقل وإدارة وإنسان، فالكثيرون يدافعون عن الدين وهم في الحقيقة يدمرون صورة الدين بأفعالهم، ويتحدثون عن حماية المذهب بينما يساهمون في تمزيق المجتمع ونشر الكراهية وإدامة الجهل، ولهذا فإن أخطر ما تفعله الدوغمائية ليس فقط أنها تجعل الإنسان متعصبًا، بل تجعل من الكراهية فضيلة ومن الجهل بطولة ومن إلغاء الآخر نوعًا من الإيمان، وعندما تصل الشعوب إلى هذه المرحلة فإنها لا تحتاج إلى عدو خارجي ليسقطها، لأنها تكون قد بدأت بتدمير نفسها بنفسها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أول اتصال بين ترامب ورئيس وزراء بريطانيا الجديد.. ماذا دار ب


.. ما وراء الخبر - كيف تنظر المقاومة إلى المرحلة الراهنة وما خي




.. -جبل الفأس-.. الهدف الإيراني الذي يتوعد ترمب بتدميره قريباً


.. الإيغاد ترصد تقاربا سياسيا في السودان وتدعو لتنسيق جهود الوس




.. الكويت تستدعي السفير الإيراني وتسلمه مذكرة احتجاج على استهدا