الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الكورد وتحولات الشرق الأوسط: لحظة تاريخية لا تحتمل الانقسام
مروان فلو
2026 / 5 / 26القضية الكردية
تمرّ منطقة الشرق الأوسط بمرحلة إعادة تشكّل بنيوي عميق، لا تشبه في طبيعتها ما أعقب انهيار الاتحاد السوفيتي، ولا ما أفرزته موجات الربيع العربي عام 2011. ثمة شيء مختلف يجري الآن؛ إعادة توزيع للنفوذ والأدوار على وقع تنافس دولي متصاعد بين واشنطن وموسكو وبكين، وارتفاع حدة التمدد الإقليمي لكل من أنقرة وطهران وتل أبيب، في ظل دول تئن تحت وطأة أزماتها البنيوية ولا تجد لها مخرجاً.
في قلب هذا المشهد المتحرك، تستعيد القضية الكوردية حضورها بقوة، ليس كملف إنساني يُستدعى في المناسبات الدولية، بل كمتغير استراتيجي حقيقي في معادلات المنطقة. فالكورد الذين يتوزعون عبر أربع دول هي العراق وسوريا وتركيا وإيران، لم يعودوا هامشاً في خرائط النفوذ، بل باتوا فاعلاً لا يمكن تجاوزه في ملفات مكافحة الإرهاب وأمن الحدود وإدارة الطاقة والاستقرار الإقليمي.
قراءة في الإشارات السياسية الراهنة
لا ينبغي النظر إلى المشهد السياسي الكوردي الراهن من خلال أحداثه المتفرقة، بل من خلال ما تكشفه مجتمعةً من توجهات. فاجتماع رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني مع الجنرال مظلوم عبدي في أربيل، والتصريحات التي أطلقها هوشيار زيباري في أعقاب زيارته لواشنطن، لا تُقرأ بوصفها خطوات دبلوماسية منفصلة، بل هي مؤشرات على حراك أعمق في بنية التموضع الكوردي داخل خريطة إعادة توزيع النفوذ الإقليمي والدولي.
وعلى الجانب الآخر، فإن ما شهدته قامشلو من احتجاجات، وما تعيشه تركيا من توترات سياسية داخلية حادة، وما تمر به إيران من موجات متتالية من الاضطراب السياسي والاقتصادي، تشكّل جميعها دوائر متداخلة من السيولة الاستراتيجية التي قد تعيد رسم المشهد الإقليمي برمّته خلال السنوات القليلة المقبلة.
الحليف الموثوق في حسابات واشنطن
لا يخفي المسؤولون الأمريكيون قناعتهم بأن القوات الكوردية، سواء بيشمركة إقليم كوردستان أو قوات سوريا الديمقراطية، قدّمت نموذجاً لافتاً في الشراكة الميدانية خلال الحرب على تنظيم داعش، يفوق في موثوقيته وفاعليته كثيراً من الفاعلين المحليين الذين راهنت عليهم واشنطن في مناطق أخرى من المنطقة.
غير أن هذا الدعم لم يكن يوماً منقطعاً عن سياق المصالح والتوازنات، ولا ينبغي قراءته قراءة رومانسية مبالغاً فيها. فالولايات المتحدة، كغيرها من القوى الكبرى، تنحاز في نهاية المطاف إلى الشركاء الذين يتسمون بالاستقرار والتماسك وامتلاك رؤية استراتيجية واضحة، بينما تنظر إلى الانقسامات الداخلية باعتبارها عوامل خطر تجعل الرهان على أي شريك أمراً محفوفاً بالمخاطر.
ومن هنا يمكن فهم القلق الأمريكي المتكرر حيال استمرار الشروخ السياسية الكوردية، سواء داخل إقليم كوردستان العراق، أو بين مختلف مكوّنات الحركة القومية الكوردية عبر أجزاء كوردستان الأربعة. فالقوى الدولية تتعامل مع كيانات قادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية ثابتة، لا مع تكتلات هشة تتصدّع عند أول امتحان.
دروس التاريخ الكوردي الحديث
لا يحتاج المتأمل في التاريخ السياسي الكوردي الحديث إلى كثير من العناء كي يلاحظ نمطاً ثابتاً: لحظات الإنجاز والمكسب ارتبطت دائماً بدرجة من التوافق والتنسيق، في حين أدّت حالات الانقسام والاقتتال الداخلي إلى نزيف مؤلم في المكاسب التي دُفع ثمنها دماً وتضحيات.
التجربة الكوردية في إقليم كوردستان "شمال العراق" خلال تسعينيات القرن الماضي شاهدٌ بليغ على ذلك؛ إذ كشفت الحرب الأهلية بين الحزبين الرئيسيين عن مدى التكلفة الباهظة التي يدفعها الكورد حين يُحوّلون تناقضاتهم السياسية إلى مواجهات مسلحة. وفي المقابل، أسهمت اتفاقات واشنطن في التقارب الداخلي لاحقاً، وساعدت في تحويل الإقليم إلى كيان سياسي معترف به ذا ثقل دبلوماسي واقتصادي لا يُنكر.
السيناريو السوري وضرورة الموقف الكوردي الموحد
لا يزال المشهد السوري يحمل في طياته احتمالات متعددة ومتناقضة: من إعادة إنتاج سلطة مركزية على أنقاض الحرب، إلى صيغ مختلفة من اللامركزية السياسية، وصولاً إلى حالة من التقسيم غير المعلن حيث تتوزع مناطق النفوذ بموجب تفاهمات إقليمية ودولية بعيدة عن إرادة السكان.
في جميع هذه السيناريوهات، يغدو الموقف الكوردي الموحد شرطاً لازماً لا بديل عنه. فغياب هذا الموقف لن يعني فحسب ضعف الورقة التفاوضية الكوردية، بل سيعني أن مصير المناطق الكوردية في سوريا سيُقرر في أروقة عواصم أخرى، لا في اجتماعات الكورد أنفسهم.
المتغير التركي والإيراني في المعادلة
في تركيا، تكشف التوترات السياسية الداخلية المتصاعدة عن أزمة أعمق تتجاوز حدود الصراع الانتخابي، وتمس جوهر العلاقة بين الدولة وهوياتها القومية المتعددة. وما الكورد في باكور كوردستان "الأتراك" إلا الاختبار الأصعب في هذه المعادلة الهشة.
أما إيران، فإن الحراك الشعبي المتجدد والأزمات الاقتصادية المتفاقمة والتصدّعات داخل بنية النظام، تفتح جميعها نوافذ على مستقبل مختلف، قد يكون للكورد في روج هلات كوردساتان "الإيرانيين" فيه دور محوري لم يُتَح لهم من قبل. وهذا ما يجعل التنسيق الكوردي-الكوردي عبر الحدود مسألة استراتيجية من الطراز الأول.
الوحدة ليست شعاراً بل رهان البقاء
الخطأ الذي يتكرر في الخطاب القومي الكوردي هو اختزال الوحدة في شعار عاطفي يُرفع في المناسبات ويُنسى في الممارسة. الوحدة الكوردية المطلوبة اليوم ليست دمجاً للأحزاب ولا إلغاءً للتعددية، بل هي اتفاق على منظومة من الثوابت الوطنية والاستراتيجية التي تُشكّل الخطوط الحمراء في التعامل مع الآخر، وتُرسي أرضية مشتركة لا يُساوم عليها.
التجربة السياسية الدولية تُثبت أن الشعوب التي انتزعت مكاسب تاريخية لم تصنعها بالعاطفة وحدها، بل بنت مؤسسات، وبلورت رؤى استراتيجية، وقدّمت نفسها للعالم كشريك موثوق يمتلك إرادة سياسية واضحة وقدرة على إدارة تناقضاته الداخلية بعقلانية.
مسؤولية النخبة في اللحظة الحاسمة
إن الرهان لا ينبغي أن يُوضع كله على المتغيرات الخارجية، فالفرص الإقليمية لا تتحول من تلقاء نفسها إلى مكاسب سياسية. لذلك تقع على النخب الكوردية بمختلف فئاتها، السياسية والثقافية والأكاديمية والإعلامية، مسؤولية تاريخية في ترسيخ وعي جمعي يتجاوز الولاءات الحزبية الضيقة نحو أفق القضية المشتركة.
فالقضية الكوردية لن تحافظ على حضورها بوصفها مشروعاً سياسياً مشروعاً وعادلاً في الوجدان الدولي، إلا إذا اقترنت بخطاب سياسي رصين وعقلاني، قادر على مخاطبة الكوردي الذي يعيش في جبال قنديل بالقدر ذاته الذي يخاطب به صانع القرار في واشنطن أو برلين.
اللحظة الراهنة ليست لحظة عادية في تاريخ القضية الكوردية. فالمنطقة في طور إعادة تشكّل حقيقية، والمتغيرات الكبرى تمنح الكورد فرصة نادرة لتثبيت حضورهم وتوسيع هامش مناورتهم. لكن هذه الفرصة ذاتها قد تتحول إلى عبء ثقيل إذا ظلّت الانقسامات تستنزف الطاقة السياسية وتُضعف الموقف التفاوضي.
العالم لا يقيس الشعوب بعدد ضحاياها وعمق جراحها، بل بمدى قدرتها على التنظيم والبناء والتأثير. ولهذا، فإن بناء وحدة سياسية كوردية حقيقية لم يعد ترفاً فكرياً أو مثالية قومية، بل هو الشرط الأساسي لضمان أن يكون الكورد فاعلين في صياغة الشرق الأوسط الجديد الذي تتشكّل ملامحه أمام أعيننا، لا مجرد موضوع لقراراته.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بعد حكم أوروبي.. بولندا تعترف إداريا بزواج المثليين المبرم ف
.. حكم غيابي بإعدام محمد حمدان دقلو، فماذا نعرف عن حميدتي وصعود
.. أخبار الصباح | السودان يحكم غيابيا بإعدام حميدتي.. وتحرك دول
.. المقابلة | خالد محاجنة محامي هيئة الأسرى ونادي الأسير الفلسط
.. محكمة سودانية تصدر حكما بالإعدام على حميدتي و15 آخرين في قضي