الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
في زمن الضجيج الأيديولوجي -- الإنسانُ على مفترق الطرق
ثامر الزبيدي
2026 / 5 / 26العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
في زمن الضجيج الأيديولوجي
الإنسانُ على مفترق الطرق
يعيش إنسانُ هذا العصر في مشهدٍ لم تشهده الإنسانية من قبل بهذا الحجم وهذه الكثافة. ليس مشهد الفقر ولا مشهد الجهل ولا مشهد القهر وحده، بل مشهدٌ من نوعٍ أكثر خفاءً وأشدّ وطأة: مشهد الضجيج الفكري المتراكم. أطروحاتٌ متصارعة تتزاحم على عقله وقلبه، كلٌّ منها تُعلن أنها الحقيقة المطلقة، وتطالبه بالولاء الكامل، وتعده بالخلاص الموعود.
هنا أيديولوجيا تُقدّس المنفعة وتجعل السوق إلهاً يُعبد من حيث لا يشعر عابدوه. وهناك أخرى تُلغي الروح وتُختزل الإنسان في خلايا ومادة وغريزة. وثمّة أخرى تُقسّمه إلى هوياتٍ متصارعة على أساس الجنس والعرق والطبقة، فيجد في نهاية المطاف أنه لم يكتسب يقيناً بل اكتسب ارتباكاً فوق ارتباكه. وفي كل مرة تسقط فيها أيديولوجيا وتُعلن نهايتها، لا يجد الإنسان هدوءاً بل يجد أيديولوجيا أخرى تملأ الفراغ بضجيجٍ أشدّ وادّعاءٍ أوسع.
والمفارقة المُضحكة المُبكية أن هذا الإنسان لم يكن في تاريخه كلّه أكثر علماً مما هو عليه اليوم، ولم يكن في الوقت ذاته أكثر حيرةً وضياعاً. فالمعرفة تراكمت والأسئلة تراكمت معها. وعوض أن تكون كثرة الإجابات مصدراً للوضوح صارت مصدراً للتشويش. وعوض أن يُفضي تعدّد الطرق إلى حرية الاختيار أفضى إلى شلل القرار.
المفهومُ القرآني بوصفه مدخلاً لا بديلاً
في هذا الزحام المُرهِق يبرز المفهوم القرآني لـ"الصراط المستقيم" بروداً وصفاءً وعمقاً يستوقفان. ليس بوصفه أيديولوجيا جديدة تُضاف إلى القائمة المزدحمة، ولا مذهباً بشرياً يُنافس ما سبقه بنفس أسلحته. بل هو شيءٌ مختلف في جوهره وطبيعته: إنه "الفطرة الكونية" السابقة لكل فكرٍ والمتجاوزة لكل تحيّز. إنه النظام الأصيل الذي فُطر الإنسان عليه قبل أن تتلقّفه أيدي المذاهب والأيديولوجيات فتُشكّله على هواها.
يقول الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: 30). فـ"الدين القيّم" في هذه الآية ليس شعاراً فئوياً ولا حكراً على جماعة بعينها، بل هو ذلك الخطّ الكوني المستقيم الذي ينسجم مع حركة الفطرة الإنسانية وسنن الوجود. خطٌّ لا يُعلّم الإنسان شيئاً غريباً بل يُذكّره بما عرفه قبل أن تُنسيه الأهواءُ إياه.
والفارق الجوهري بين الصراط المستقيم وكل الأيديولوجيات التي تتنافس على عقل الإنسان يكمن هنا بالضبط: الأيديولوجيا تأتي من الخارج وتُريد أن تُعيد تشكيل الإنسان على صورتها. أما الصراط فيأتي من الداخل يُجيب نداءً كان في أعماق الإنسان قبل أن يسمعه. ولهذا حين يسلكه الإنسان لا يشعر بأنه انتمى إلى شيءٍ جديد، بل يشعر بأنه عاد إلى شيءٍ قديم نسيه.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. حزب عربي يهودي يبحث عن مقعد في الكنيست | في عمق الخبر
.. الشباب الإيراني يدعو للثأر والانتقام من قتلة المرشد الأعلى ا
.. من لبنان إلى الفاتيكان... الدكتورة جويل مبارك تروي تجربة أكا
.. مدينة مشهد.. المحطة الأخيرة في مراسم جنازة المرشد الأعلى الإ
.. نهاية العالم في المسيحية والاسلامية