الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الأستاذ صالح اسدي، قمة العطاء في محراب الحرف والتربية
طه دخل الله عبد الرحمن
2026 / 5 / 27الادب والفن
ليس كل من حمل قلما استحق أن يُكتب عنه وليس كل من وقف على منبرٍ استحق أن تُفتح له أبواب المجد، ولكن هناك من إذا ذكرتهم استحى الجمال من جمال أرواحهم، وإذا تحدثت عن عطائهم شعرت أن الكلمات تصبح لآلئ في فيضان لا يتوقف. إنه الأستاذ المربي الكاتب صالح أسدي قمة العطاء في محراب الحرف والتربية، ذلك الإنسان الذي حوّل حياته إلى درس مفتوح في كيف يكون الوجود جميلا رغم كل شيء.
لقد أدرك هذا الرجل الفريد سرا فلسفيا عميقا ظل معظمنا يبحث عنه طوال العمر، أن العطاء الحقيقي لا ينقص منك شيئا، بل هو وحده ما يبقى منك عندما يذوب كل شيء. قضى أكثر من ثلاثة عقود في رحاب السلم التعليمي، لم يكن فيها موظفا يؤدي واجبه، بل كان نهرا لا ينقطع، وشجرة ظليلة لا تعرف كيف تمنع فيئها عن عابر. كل صباح كان يخرج إلى مدرسته كمن يخرج إلى معركة مقدسة، لا ليقتل بل ليُحيي، لا ليدمر بل ليبني. كان يرى في كل تلميذ عالما لم يخلق بعد، وفي كل عين حائرة بذرة تنتظر من يسقيها بحب لا بغض وبصبر لا بعجلة. لقد فهم أن التلميذ ليس وعاءً فارغا نملؤه بالمعلومات، بل هو نار كامنة تحت الرماد، يحتاج فقط إلى من ينفخ فيها بروحه لتصير شعلة لا تنطفئ. وهكذا لم يعلّمهم المواد فقط، بل علّمهم أن الحياة أكبر من الكتب وأن الامتحان الحقيقي ليس في نهاية العام بل في كل لحظة يعيشونها.
ومثلما تخرج النخلة من النواة الصغيرة لتصبح ظلالا وتمورا، خرج صالح أسدي من جدران المدرسة إلى فضاء الأدب الواسع، كمن يدرك أن التربية لا تكتمل إلا إذا صارت ثقافة وأن الثقافة لا تثمر إلا إذا صارت حياة. أصدر المحلات الأدبية الثقافية، وجعل منها منارات في بحر عاصف، لا لترشد السفن إلى الموانئ الآمنة، بل لتعلمها كيف تبحر في العواصف دون أن تغرق. ثم أقدم على فعل الأقوى والأبقى، ألف كتبا تدور حول المجتمع بكل تشابكاته، لكنه لم يكتب كمن يملك الحقيقة المطلقة، بل كمن يبحث عنها بصحبة القارئ. كتب عن السلام، فلم يكن السلام لديه مجرد هدنة بين الحروب، بل كان حالة وجودية تبدأ من الداخل، أن تصالح نفسك أولاً، ثم تصالح الآخر، ثم تصالح الكون كله. إنه أن تدرك أن الحرب ليست بالفعل، بل بالفكرة التي تسبق الفعل فمن انتصر على فكرة العداوة في داخله، انتصر على كل أعدائه قبل أن يلقاهم.
وكتب عن التسامح، فجعله ليس فضيلة أخلاقية نمارسها بتكلف، بل حاجة إنسانية لا غنى عنها في زمن كثرت فيه القطيعة وتوحشت فيه النفوس. لقد فهم صالح أسدي أن التسامح ليس تنازلا عن حق، بل هو تحرر من سجن الغضب، إنه أن تطلق سراح الآخر من أخطائه فتطلق سراح نفسك من كبريائك. ومن منا لم يشعر بثقل الغيظ على صدره؟ ومن منا لم يحلم بأن يمحو إساءة من ذاكرته كما تمحى الكتابة عن السبورة؟ لكن التسامح الحقيقي كما علمنا هذا الرجل ليس محوا، بل هو تحويل، تحويل الجرح إلى حكمة وتحويل العدو إلى مرآة وتحويل الألم إلى درب نحو النضج.
وكتب عن التعلم من تجارب الأجداد، فكانت تلك الكلمات كالجسر الممتد بين زمنين، تثبت أن لا مستقبل لمن قطع جذوره وأن الحكمة القديمة ليست عبئا نحمله، بل هي عمق نستند إليه حين تهب العواصف. علّمنا أن الأجداد لم يكونوا أقل ذكاءً منا، بل كانوا أكثر حكمة في أشياء جوهرية، كيف يصبرون، كيف ينتظرون، كيف يعرفون أن الحب أسمى من المال، وأن السمعة أبقى من الثروة، وأن الإنسان بلا مبادئ كالنخلة بلا جذور، تسقط عند أول هبة ريح. وهكذا، جعل من تجارب الأجداد ليس سلسلة تعيق الحركة، بل جناحين تطير بهما الروح إلى آفاق أرحب.
وما زال هذا الرجل العظيم رغم أنه قدم ما يكفي لخلود بصمته وما زال يُفني جل وقته في الكتابة والتأليف، كأن الزمن أمامه يقف خائفا وكأن القلم لا يعرف كيف يتوقف وكأن الروح تجد في الحرف موطنها الأصلي الذي هجرته طويلا. إنه يكتب وكأنه يتنفس ويؤلف وكأنه يصلي وينشر الأدب والثقافة وكأنه يوزع الخبز على جياع لا يشتكون الجوع لأنهم لم يعرفوا طعم الشبع قط. هنا تبرز الفلسفة الأعمق في حياته، أن العطاء المستمر ليس تضحية، بل هو مكسب حقيقي لا يراه إلا من جرب لذة العطاء. فالذي يعطي يتلقى في صمت والذي يمنح يمتلك في الخفاء والذي يبذر الحب يجني أضعافه حين لا ينتظر.
أيها السادة، حين ننظر إلى قمة العطاء هذه، إلى هذا الرجل الذي جعل من التربية رسالة ومن الأدب سلاحا ومن الحياة حديقة لا تذبل، ندرك فجأة أننا لسنا أمام إنسان عادي. نحن أمام معجزة، معجزة إنسان اختار أن يكون عظيما بصمت، وبذلا دون ضجيج، وحضورا لا يعلن عن نفسه لكنه لا يُنسى. إنه يعلّمنا أن القمة ليست مكانا نصل إليه، بل هي حالة نعيشها وقمة العطاء ليست كمية ما نقدمه، بل هي نوعية ما نبقيه حيا في قلوب الآخرين.
فليبارك الله هذا القلم الذي لا يجف وهذه الروح التي لا تشيخ وهذا القلب الذي وسع الناس جميعا دون أن يضيق بأحد. وليكن هذا الثناء ـ مهما بلغ من جمال وعمق ـ مجرد ظل صغير لذاك الجبل الشامخ الذي يظللنا بعطائه دون أن يطلب منا سوى أن نكون أفضل قليلا مما كنا بالأمس. الأستاذ صالح أسدي ليس مجرد معلم أو كاتب، بل هو درس في كيف تكون إنسانا في زمن يصعب فيه أن تكون إنسانا. وكلنا مدينون له بحب لا ينتهي ودعاء لا ينقطع وعزم على أن نسير على دربه ولو خطوة واحدة.
البعنه == الجليل
26/05/2026
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م
.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس
.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا
.. لماذا تعشق ثقافة -راغاره- السيارات الأمريكية الكلاسيكية؟ | ع
.. كونتراست: ألبوم سليم عبيدة القادم، موسيقى تحتفي بالتناقضات