الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


خواطر عن اسباب عدم حصول عراقي او عربي على ميدالية فيلدز في الرياضيات

علاء الدين الظاهر
استاذ رياضيات

(Alaaddin Al-dhahir)

2026 / 5 / 27
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


ادناه ليست عبقريات ولا نظريات بل افكار تراودني حول عدم نجاح عربي واحد في الحصول على مدالية فيلدز في الرياضيات مقارنةً بعدد اليهود او الهنود او الصينيين مثلا. في حالة الفيزياء حصل باكستاني واحد على جائزة نوبل (عبدالسلام) ومصري (احمد زويل) في الكيمياء تدعي سعودية او يمنية انه سرق افكارها ولا احد يعرف مدى صحة هذا الادعاء. في كلا الحالتين تلقى عبدالسلام وزويل تعليمهما في الغرب. هناك ايرانية واحدة (مريم مرزخاني) حصلت على ميدالية فيلدز في الرياضيات ومنذ ادخال علوم الحاسوب النظرية الى هذه الجائزة حصل ايراني كردي (كوچر بيركار) عليها. انهت مريم مرزخاني دراسة الدكتوراه في هارفارد وانهى كوچر بيركار دراسة الدكتوراه في نوتنغهام.
احب اولا ان اعطي فكرة عن من يدرس الرياضيات في الغرب. لا يدخل خريجي الثانوية قسم الرياضيات في الغرب بسبب معدل درجاتهم في الامتحان النهائي للثانوية (كما يحدث في بلداننا) بل بسبب تفوقهم في الرياضيات وحبهم لها. البعض يكمل الدراسة الاولية (الماجستير في معظم الدول الاوربية) ثم يتجه للعمل في العادة في شركات الصناعة او المصارف او اي شئ آخر. بعض المتميزين منهم يكمل الدكتوراه وينتهي الى العمل ايضا في القطاع الخاص وفي حال توفر شاغر يحصل على وظيفة جامعية حيث التنافس حاد جدا. من الآلاف وربما عشرات الآلاف من هؤلاء يتميز واحد عليهم ويحصل على ميدالية فيلدز عندما يحل مثلا مسألة استعصى حلها مئة عام على الاقل او يجد صلة بين عدة فروع من النظريات الرياضياتية لا صلة (واضحة) بينها ويقوم بهذا قبل ان يبلغ سن الاربعين. قد يكون الفرد غربيا نشأ وتعلم في الغرب لكنه قد يكون هنديا او صينيا تلقى تعليمه (العالي) في الغرب. اثناء دراستي في لايدن كان معنا طالب ذكي جدا. كنت اقضي مع زميل آخر نصف ساعة في دراسة وفهم احدى المبرهنات المهمة (تترجم خطأً في العربية كنظريات) وعندما يأتي بالصدفة هذا الزميل الذكي يسألنا عن ما نناقش، ينظر اليها ثم يقول هذه بسيطة. يشرحها في دقيقتين ويمضي. لم يفلح هذا الزميل الذكي في الحصول على وظيفة جامعية لكنه نجح في العمل مع احدى شركات الحاسوب الكبيرة الصينية واصبح رئيسا لفرع البحوث والتطوير في مقرها في اميركا. زميل آخر ذكي جدا من جامعة غروننغن نجح مهنيا بدرجة عالية وحصل على كرسي الاستاذية في امستردام ثم انتقل الى بريطانيا لأن زوجته حصلت على وظيفة هناك بسبب تميّزها هي الاخرى في اختصاصها. لكنه لم يصل الى مستوى مدالية فيلدز او حتى بالقرب منها. تميّزَ هذا الزميل في اختصاصه دون ان يحل مسألة استعصى حلّها. اقول هذا لأوضح ان التميّز في الاختصاص لا يعني الحصول على ميدالية فيلدز. التميّز درجات. بإختصار، الاختيار يبدأ اثناء الدراسة الثانوية وتبدأ الغربلة في الدراسة الجامعية ثم الدراسة العليا ثم التصفية اثناء التطور المهني.
لست هنا لأنتقد العراقيين من اصدقائي وزملائي ممن درّسني في العراق الذين احبهم واحترمهم، هؤلاء سيكونوا اول من يساندني في النقد. انا لا اتحدث عن امثال (البروفسور عفروط) الذي بقي عاطلا عن العمل لأن الحكومة العراقية في بلد متخلف علميا لم تعترف بشهادة الكانديدات الحزبية التي منحها له الرفاق السوفيت. ثم حصل (بالواسطة) على وظيفة معيد ولاحقا على وظيفة حصل عليها ايضا (بالواسطة) في بلد اكثر تخلفا من العراق، اي في جماهيرية العقيد المخبول. يعيش منذ 42 عام على راتب المعيشة الاجتماعية للعاطلين عن العمل في احدى الدول الاورپية. أمثاله يصوّرون انفسهم كعباقرة وعلماء بارزين ويطلقون الصواريخ العابرة للقارات عن قدراتهم الوهمية. انا اتحدث عن عراقيين تلقوا تعليمهم العالي في الغرب. في حالات اعرفها جيدا كان بالامكان ان يحصل هؤلاء على وظائف في جامعات اميركية جيدة ويحققون نجاحات مهنية. لأسباب تخصهم عادوا الى العراق. في ظروف بلد مثل العراق تميزوا ونجحوا مهنيا لكن هذا لا يعني انهم متميزون او حتى معروفون عالميا. كنا كطلاّب نعتبرهم عباقرة ونبالغ في انجازاتهم رغم ان تميزهم كان فقط انهم من حملة شهادة الدكتوراه الغربية. سبب هذا ان عقليتنا ريفية ( Provincial )، بمعنىً آخر كنا لا نعرف شيئا عن مستوى العلوم في الغرب. احدهم أرسل لي (وأنا طالب درسات عليا) مرة بحثا او في الواقع ملاحظة (من صفحة او اقل) على بحث منشور لرياضياتي اميركي. اخذتُ تلك الورقة متفاخرا الى احد استاذتي الاميركيين. بعد ان اطلع عليها بسرعة اعادها إلي قائلا (كنا نبحث في هذه الامور قبل 30 عاما). أنا هنا انتقد العقلية الريفية والتي لا نعاني منها فقط في العراق بل في معظم دول العالم الثالث والتي تشوّه موقعنا في العالم وتعطينا تقييما خاطئا له يجعلنا يتخبط في الجهل بمستوى العلوم وطرق النجاح والتميّز فيها.
بالطبع هناك الفكر الديني الذي اسسه ابو حامد الغزالي والذي ادى الى ان يُنسب كل شئ الى الله. هذا الفكر يطغي على العقل الاسلامي بل يسيطر عليه ويتحكم به تماما. سبق وأن كتبت عن هذا ولا داعي للتكرار لكن من الواضح ان الطغيان الفكري لأبو حامد الغزالي يحول دون التقدم في العلوم ولابد من مواجهته ومعالجته.
عندما انظر الى من حصل على ميدالية فيلدز اجد عدة عوامل تعمل مجتمعةً او منفردةً لصالحه. العامل الاول هو البيئة. عندما ينشأ الفرد (ذكرا ام انثى) في بيئة (بيتية) او مجتمعية تحفزه وتساعده على تعلم الرياضيات فهذا هو احد العوامل التي يبني الفرد قاعدته الرياضياتية مما يؤهله للمشاركة مثلا في اولومپياد الرياضيات الدولي. الامر الثاني هو مستوى ذكاءه وموهبته والامران قد يكونا منفصلان. الذكي قد لا يعني بالضرورة ان له موهبة متميزة في الرياضيات. والامر الآخر هو الفرص المتاحة له مثل الجامعات المتميزة والاستاذ المشرف على البحث، أي ان يجد استاذا مشرفا متفوقا ومتميزا يعطيه مسألة صعبة تتطلب تحديا كبيرا يناسب قدراته. سُألَ جون فون نيومان (الرياضياتي الفيزيائي صاحب عدة نظريات وإنجازات) ايهما افضل في الرياضيات (الذكاء ام المواظبة). اجاب فون نويمان: (المواظبة). وهذا امرٌ في غاية الاهمية في الرياضيات لأنه في معظم الحالات يواجه الرياضياتي الحائط او يصبح عالقا ( stuck ) اي الاحباط ولأكثر من مرة. يحاول كل شئ ويفشل لكن في لحظة ما، اثناء التمشي او الخلود الى النوم يجد المعالجة اللازمة لما اوقفه في بحثه. هذا يحصل لأنه مشغول دائما بالبحث عن ما يحتاجه وفي حالة تركيز عالية جدا بينما الحل يختبأ في عقله ينتظر فترة الاستراحة. اتمنى ان ينتبه التربويون واساتذة الرياضيات في العراق الى اهمية هذه الامور أملا في انشاء جيل يُنتج فائزا بميدالية فيلدز.
اضع هنا رابطا عن (أكشاي فنكاتش) الذي حصل على ميدالية فيلدز عام 2018. الملاحظة الاولى هي انني اخترت (أكاشي فنكاتش) لأوضح ما ذكرته اعلاه عن العوامل التي تؤدي الى التميّز الذي يقود الى ميدالية فيلدز. (أكاشي فنكاتش) ليس الوحيد في توفر هذه العوامل له مجتمعةً كانت ام منفردة واختياري له ليس حصرا. الملاحظة الثانية ان هذه الفيديوهات المتوفرة على يوتيوب قد لا تكون دقيقة مئة بالمئة عن سيرة الفرد المعني بل على العموم جيدة. الامر الاهم، لا يصيبك الاحباط عند تطرق الفيديو الى الرياضيات، معظمها صعب على غير المتخصصين، دعها تمر عليك مرور الكرام وركّز على التطور المهني لـ (أكاشي فنكاتش) لأنه الغاية من وضعي لهذا الرابط.
https://www.youtube.com/watch?v=kUQB0dFCHng








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لبنان بقصة - المسيحيون المشرقيون


.. بايعتُ بن لادن… ثم تجسّستُ عليه | اعترافات أيمن دين | #السؤا




.. حزب عربي يهودي يبحث عن مقعد في الكنيست | في عمق الخبر


.. الشباب الإيراني يدعو للثأر والانتقام من قتلة المرشد الأعلى ا




.. من لبنان إلى الفاتيكان... الدكتورة جويل مبارك تروي تجربة أكا