الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


صبحي المصور… خيمته الكبيرة علامة فارقة في العيد

كاظم الحناوي

2026 / 5 / 27
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


يميل الإنسان دائما إلى استعادة صور الماضي، خصوصا تلك التي ارتبطت بطفولته وأيامه الأولى مع الناس والأماكن. فبعض الذكريات لا تعود لأنها جميلة فقط، بل لأنها صنعت داخلنا شعورا خاصا بالحياة، وظلت عالقة في القلب مهما مر الزمن.
كنا ننتظر العيد بشغف كبير، لا بسبب الملابس الجديدة وحدها، بل لأن العيد كان يحمل لنا شيئا مختلفا كل مرة. لعبة جديدة، مشهد جديد، أو دهشة صغيرة تجعل العالم يبدو أوسع مما كنا نتصور. واليوم، بعد أكثر من نصف قرن، ندرك أن الذين صنعوا تلك التفاصيل البسيطة لم يكونوا أشخاصا عابرين، بل كانوا جزء من ذاكرة مدينة كاملة.
ومن بين أكثر الوجوه حضورا في أعياد الخضر آنذاك، يبرز اسم المرحوم صبحي المصور، الرجل الذي ارتبطت صورته بالكاميرا والناس والفرح، حتى صار جزءا من مشهد العيد نفسه.
أتذكر جيدا ذلك اليوم في سبعينات القرن الماضي حين ظهرت خيمة بيضاء كبيرة قرب ساحة العيد بجانب حمام المدينة القديم، وكان الدخول إليها بخمسة وعشرين فلسا، وهو مبلغ ليس بسيطا بالنسبة لطفل كان أكبر ما يحصل عليه في العيد ربع دينار. يومها قالوا لنا إن داخل الخيمة (سينما)، وهي كلمة كنا نسمع بها أكثر مما نعرفها. كان المرحوم صبحي وراء تلك الفكرة، محاولا أن يقدم شيئا مختلفا عما اعتاده الأطفال في الأعياد.
ذلك العيد بقي حاضرا في الذاكرة لسنوات طويلة. ليس بسبب الفيلم وحده، بل لأننا شعرنا للمرة الأولى أننا نرى العالم بطريقة أخرى. حتى الذين لم يدخلوا الخيمة ظلوا يستمعون لحكايات من شاهدوها، وكأن الأمر يتعلق بسر كبير نحمله معنا أياما طويلة.
كان صبحي المصور يفهم الناس جيدا، ويعرف كيف يصنع من المناسبة البسيطة ذكرى تبقى في الذهن. وربما لهذا السبب بقي اسمه حيا في ذاكرة أبناء الخضر حتى اليوم.
قبل أن تدخل مدينة الخضر في السبعينات، كان عليك أن تعبر الجسر أولا، وهناك قرب النهر، يلفت انتباهك دكان صغير تتدلى على واجهته صور رجال وأطفال وعرسان وموظفين بملابس رسمية. ذلك المكان لم يكن مجرد استوديو تصوير، بل نافذة صغيرة تطل منها المدينة على نفسها.
كان أبناء الخضر يطلقون عليه ببساطة: (دكان صبحي المصور).
في ذلك الزمن، لم تكن الصورة أمرا عاديا كما هي اليوم. كانت حدثا بحد ذاته. كثير من الناس لم تكن لديهم سوى صورة أو صورتين طوال حياتهم، ولهذا اكتسبت الصورة قيمة خاصة، وصار الاحتفاظ بها يشبه الاحتفاظ بجزء من العمر.
ومن بين الصور التي ما زلت أحتفظ بها حتى اليوم، صورة التقطها لي المرحوم صبحي وأنا بعمر ست سنوات تقريبا، عندما طلبت المدرسة صورة شخصية. أتذكر كيف وضعني على كرسي صغير، وكيف كان يطيل النظر من خلف الكاميرا محاولا اقتناص اللحظة المناسبة لطفل لا يستطيع الثبات طويلا.
كان يتعامل مع التصوير بهدوء وصبر، وكأنه لا يلتقط صورة عابرة، بل يوثق شيئا سيبقى بعد سنوات طويلة.
ومع مرور الوقت، أصبح استوديو صبحي جزءا من حياة المدينة اليومية. الناس تقصده منذ الصباح؛ هذا يريد صورة للمدرسة، وآخر يحتاجها لوظيفة أو معاملة رسمية، وغيرهم ينتظرون صورا التقطت قبل أيام في مناسبة أو عرس أو احتفال.
وكان المرحوم صبحي يتنقل بكاميرته بين المناسبات الاجتماعية والرسمية، حتى أصبحت الكاميرا جزءا من هيئته التي يعرفه الناس بها.
دكانه الواقع قرب النهر، إلى يمين الجسر في الصوب الكبير، لم يكن مجرد محل عمل، بل (فلتر) صغير تمر منه حكايات المدينة وأخبارها وصورها. ومن خلال الصور المعلقة في واجهة الاستوديو، كنا نتابع تغير ملامح ابناء الخضر عاما بعد آخر.
اليوم اختفت تلك الواجهات تقريبا، ولم يعد أحد ينتظر تحميض الصور كما كنا نفعل في ذلك الزمن، لكن صور المرحوم صبحي ما زالت تحتفظ بشيء لا توفره كاميرات الهواتف الحديثة… روح الزمن نفسه.
لقد ساهم الرجل، دون أن يشعر ربما، في توثيق جانب مهم من تاريخ المدينة الاجتماعي. أرشيفه لم يكن مجرد مجموعة صور، بل ذاكرة كاملة لرجال ونساء وأطفال مرّوا أمام عدسته ثم مضت بهم الحياة.
ولهذا أتمنى أن يحافظ أولاده وأحفاده على ذلك الأرشيف، لأنه لا يمثل تاريخ عائلة فقط، بل يمثل جزءا من ذاكرة الخضر نفسها.
كلما مررت قرب مكان دكانه القديم، أشعر أن المدينة فقدت شيئا من ملامحها معه. فالكاميرا التي كانت تلتقط الناس، كانت في الحقيقة تحفظ أعمارهم بصمت.
وربما لهذا السبب، كلما نظرت إلى صورتي القديمة بعمر ست سنوات، أشعر أن المرحوم صبحي لم يكن يلتقط صورة لطفل فقط…
بل كان ينقذ لحظة من الضياع.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. 7 شهداء في قصف إسرائيلي استهدف نقطة للشرطة بمخيم جباليا


.. إيران تعلن استهداف قاعدة الأزرق في الأردن بالمسيرات




.. ترمب: الضربات على إيران ستستمر حتى أقول إن هذا يكفي


.. حامل اللقب يستعد.. الأرجنتين تنهي تحضيراتها للمباراة أمام إن




.. طهران تعلن استهداف غارات أمريكية لثكنة للجيش الإيراني بمحافظ