الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الاضحية ... محاولة في الفهم
طارق فتحي
2026 / 5 / 28دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
(ان فرضية التدجين هي الوحيدة التي يمكن ان تفسر ظاهرة التضحية. لأن التضحية بصغار الماعز تضر بالمصالح المادية للمدجنين أنفسهم. وهكذا فأن فكرة التضحية تأتي من هذا التناقض) جاك كوفان.. ديانات العصر الحجري الحديث في بلاد الشام.
الاضحية أحد اهم الظواهر التي انتجها الانسان، كانت ولا زالت موضع الكثير من الدراسات الأنثروبولوجية، فهي ممارسة موجودة لدى جميع شعوب الأرض، وهذه المنطقة التي نعيش فيها بما أنها تعيش حياة دينية خالصة، سياسيا واجتماعيا، فظاهرة الاضحية والتضحية هي الأكثر بروزا، فما أن يشتري المرء منزلا او سيارة او ينجح في الدراسة او يحصل على وظيفة معينة او يفتح محلا او ينجو من حادث او ينجب طفلا او يتزوج او يموت له أحد او يشفى من مرض او يخرج من السجن او يحصل على ترقية في عمله.. الخ نقول ما أن يحدث شيئا للإنسان هنا حتى يقوم بتقديم اضحية.
تقديم الاضحية ومثل ما اتفق عليه الكثير من الأنثربولوجيين هو عملية استرضاء الالهة، لأن هذه الظاهرة وبالضرورة هي عمل ديني بامتياز، ولا يمكن الانفكاك بينها وبين وجود الدين، ولو اننا اخذنا التعريف الكلاسيكي للأضحية من الأنثربولوجيين الفرنسيين مارسيل موس وهنري هوبر في مقالتهما "الاضحية"، يتبين من هذا التعريف مدى التلازم بين الاضحية والدين، يكتبان:
"الاضحية هو عمل ديني يغير من خلال تكريس ضحية، الحالة المعنوية للشخص الذي يقوم به او حالة بعض الأشياء التي تتعلق به"؛ هذا التعريف رغم انه يغلب عليه الطابع النفسي "السايكولوجي"، لكنه صحيح جدا، فعندما نسمع شخصا ما يقول انه ارتاح بعد ان "ذبح" خروفا "لوجه الله" بمناسبة "نجاح" ولده او إنجاب زوجته "ولدا"، هذه الراحة تعني انه قدم للإلاهة دين الزمه على نفسه، واسترضاء الالهة هو البند الرئيس في الاضحية.
القصة المتخيلة التي يفرضها فرويد في كتابه "الطوطم والحرام" مستندا على افتراض داروين، رغم أنها غير مثبتة تاريخيا، الا انها تشير الى ان "التقديمات الاجتماعية" والتي من ضمنها حتما الاضحية هي البدايات الأولى للدين؛ فهو يتحدث عن "مجموعة أبناء مطرودين من اب لا يسمح لهم بالزواج، فهو يستحوذ على كل النساء، فيجتمع هؤلاء الاخوة ليقتلوا الاب ومن ثم يقومون بالتهامه.. وبعد فترة شعروا بأنهم اقترفوا ذنبا، أرادوا التكفير عنه، فقاموا بإعادة المشهد مع تقديم "اضاحي" يسترضون بها الاب "الاله".
هذه القصة المتخيلة هي قريبة جدا من الأسطورة في الديانات الابراهيمية، قربها آت من عملية استرضاء الاب "الاله"؛ يأمر الرب إبراهيم بان يقدم ابنه للذبح، ثم فجأة يتم استبدال الابن بخروف، وعملية استبدال تضحية البشر بالحيوانات تشير الى حقيقة ان تقديم القرابين كان بشريا، أي ان الضحية يجب ان يكون من البشر.
بالعودة الى استنتاج جاك كوفان فأن التناقض هو ان التدجين عملية اخضاع او استئناس بعض الحيوانات، أي انه عمل اقتصادي يراد منه اكثار الثروة الحيواني لفائدة الانسان، ثم تأتي قضية تقديم الاضاحي، أي اتلاف الثروة، هنا يقع التناقض، بين جمع واتلاف؛ لكن الاتلاف "التضحية" هو نوع من "الجمع"، فالإنسان البدائي اعتقد ان رضا الالهة هو من يكثر الثروات، ولا زال هذا الفهم ساريا الى اليوم.
ان عملية قتل الانسان أو الحيوان هو عنف، لكنه عنف مقدس كما يشير الى ذلك رينيه جيرار، فعملية "الافتداء" هي في المحصلة النهائية ناتجة تاريخيا عن عملية عنف واجرام، لكنه ارتدى ثوب القداسة، لهذا يغفل المتدينون "عن العنف في الممارسة الذبائحية".
موس وهوبير يذكران ان "في المكسيك وفي جزيرة رودس، كانت الضحية تسقى خمرا الى ان تسكر، وكان السكر علامة على حلول الروح الإلهية فيها"؛ ويبدو ان هذه الممارسة هي الأفضل للحيوانات لتلافي الألم.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. 7 شهداء في قصف إسرائيلي استهدف نقطة للشرطة بمخيم جباليا
.. إيران تعلن استهداف قاعدة الأزرق في الأردن بالمسيرات
.. ترمب: الضربات على إيران ستستمر حتى أقول إن هذا يكفي
.. حامل اللقب يستعد.. الأرجنتين تنهي تحضيراتها للمباراة أمام إن
.. طهران تعلن استهداف غارات أمريكية لثكنة للجيش الإيراني بمحافظ