الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حين يصبح النول مرآةً للموت: قراءة في نصّ -جوجو حائك الوجوه-

عامر هشام الصفّار

2026 / 5 / 28
الادب والفن


نشر الملحق الثقافي لأحدى الصحف العربية الصادرة قبل عدة أيام قصة قصيرة جديدة للكاتب المغربي أنيس الرافعي، وهو قاص معروف على صعيد الساحة المغربية والعربية. أما القصة فقد جاءت تحت عنوان "جوجو حائك الوجوه" حيث يفتتح النصّ أبوابه على إهداءٍ مأخوذ من أغنية «جوجو» لـ جاك بريل، حيث يمتزج النبيذ والضحك والشقراوات بإحساس ثقيل بقرب الفقد. ومنذ الأسطر الأولى، يبدو واضحًا أن القارئ لا يدخل حكاية عادية، بل عالَمًا تتجاور فيه الموسيقى مع العدم، والرقص مع الفناء، والحرفة اليدويّة مع أسئلة القدر والموت.
يبني القاص الرافعي نصّه على هندسة خماسيّة مستمدّة من أشكال رقصات «أحواش» الأمازيغيّة: المستقيم، القوس، القسمان المتقابلان، المستقيمان المتوازيان، والدائرة المغلقة. غير أنّ هذه البنية لا تؤدّي وظيفة شكليّة فحسب، بل تتحوّل إلى العمود الفقري للسرد ذاته. فالنصّ يتحرّك كما تتحرّك الرقصة الجماعيّة: يبدأ بخطّ واضح ومستقرّ، ثمّ ينحني، وينقسم، ويتقابل، قبل أن يعود في النهاية إلى دائرة مغلقة تُحكم القبض على الشخصية والمصير معًا.
في قلب هذا العالم يقف «جوجو»، واسمه الحقيقي آدم باديس، عامل النسيج المتقاعد الذي تحوّل، بعد المرض والعزلة، إلى ناسج وجوه. ليست الشخصية بطلاً أسطوريًّا ولا ساحرًا خارقًا، بل رجلًا بسيطًا من حيّ شعبي، يحمل تعب السنين وهدوء الخيبة. وهذا ما يمنح النصّ قوّته الحقيقيّة؛ إذ ينبثق الرعب فيه من اليوميّ والعاديّ، لا من الماورائي الصاخب.
لقد نجح القاص هنا في جعل «جوجو» شخصية إنسانيّة قبل أن تكون رمزًا. فكنيته نفسها، الخارجة من تلعثم طفولي في نطق ضمير المتكلّم بالفرنسيّة، تضفي عليه هشاشة مبكرة، كأنّ اللغة تعثّرت فيه منذ البداية، تمامًا كما سيتعثّر لاحقًا في فهم ما يحدث حوله.
غير أنّ التحوّل الأهمّ في النصّ يبدأ حين تتحوّل هواية حياكة الوجوه إلى فعل غامض يجاور اللعنة. فكلّ من نسج «جوجو» ملامحهم أخذوا يرحلون تباعًا في ظروف مبهمة، بين حوادث وانتحارات وميتات مفاجئة بلا دوافع واضحة. هنا يغادر النصّ منطقة الحكاية الواقعيّة إلى تخوم الواقعيّة السحريّة، دون أن يفقد تماسّه بالحياة اليوميّة.
واللافت أنّ القاص لا يقدّم تفسيرًا مباشرًا لما يحدث، بل يترك الاحتمالات مفتوحة: هل تكمن اللعنة في المنسج نفسه؟ أم في موسيقى «أحواش» التي ترافق عمليّة النسج؟ أم في فعل تمثيل الوجه وتحويله إلى صورة ثابتة؟ أم أنّ الأمر كلّه مجرّد هذيان رجل أنهكه المرض والعزلة؟.
هذه المسافة الرماديّة بين الواقع والهلاوس هي ما يمنح النصّ قيمته الأدبيّة. فالغموض هنا ليس نقصًا في التفسير، بل جزء من جماليّة العمل. ولو أختار الكاتب حسم الأمر لصالح تفسير عجائبي مباشر، لفقد النصّ كثيرًا من توهّجه.
ويُحسب للنصّ أيضًا اشتغاله الذكي على رمزيّة النسيج. فالخيوط، والسداة واللحمة، والنول، واستحضار الأخوات «المويراي» في الميثولوجيا الإغريقيّة، كلّها تحيل إلى التصوّر القديم للحياة بوصفها خيطًا يُغزل ثم يُقطع. وهكذا لا يعود «جوجو» مجرّد حرفيّ يصنع صورًا، بل يصبح، من حيث لا يدري، شريكًا في كتابة المصائر.
ومن أجمل صور النصّ وصف المنسج بأنّه «مقبرة دائريّة متحرّكة»، وهي صورة تختزل ببراعة تحوّل الأداة الفنيّة إلى آلة قدرية، يتحوّل فيها الفنّ من فعل خلق أبداعي إلى اقترابٍ خفيّ من الفناء.
كما تؤدّي الموسيقى دورًا مركزيًّا في بناء هذا العالم. فـ«أحواش» ليست مجرّد خلفيّة فولكلوريّة، بل قوّة خفيّة تسري داخل النصّ مثل نبض غامض. ويبلغ التأمّل ذروته حين يتساءل السارد: «أليست كلّ موسيقى تحتمل بين نغماتها ومقاماتها الفتك والنشور في آن معًا؟». عند هذه اللحظة يتجاوز النصّ الحكاية إلى تأمّل فلسفي في طبيعة الفنّ ذاته، بوصفه مساحة يجاور فيها الجمالُ الهلاكَ، والرقصُ الهاويةَ.
أمّا نهاية القصة فجاءت موفّقة في انفتاحها وكتمانها معًا. لا يشرح الكاتب مَنْ الطارق، ولا ماذا سيحدث لجوجو، بل يترك الباب مواربًا بين عالمين. وحين يسمع الرجل اسمه يُنادى بلهجتين مختلفتين، ثم يختار ألّا يفتح الباب، يصبح الأمتناع نفسه فعلًا دالًّا؛ كأنّ الشخصية تؤجّل المصير لا أكثر.
ورغم ما يملكه النصّ من قوّة لغويّة وبنائيّة، فإنّ كثافته البلاغيّة تبدو أحيانًا مفرطة، حيث تتراكم الاستعارات والصور إلى حدّ قد يُثقِل الإيقاع على بعض القرّاء. كما أنّ التأمّل الفلسفي يطغى في بعض المقاطع على التوتّر الحكائي. غير أنّ هذه المبالغة نفسها قد تُقرأ، من جهة أخرى، باعتبارها جزءًا من المزاج الجنائزي والاحتفالي للنصّ.
وفي نهاية الأمر فأن القاص أنيس الرافعي، يقدّم عبر قصته «جوجو حائك الوجوه» نصًّا غنيًّا ومركّبًا، ينجح في المزج بين المحلّي والأسطوري، بين الذاكرة الشعبيّة الأمازيغيّة وأسئلة الإنسان الكونيّة الكبرى. إنّه نصّ عن الفنّ حين يتحوّل إلى مرآة للقدر، وعن الموسيقى حين تصبح رفيقة للحياة والموت معًا، وعن الإنسان الذي يكتشف، متأخرًا، أنّه ربما كان ينسج نهايات الآخرين وهو يظنّ أنّه يحيك وجوههم فقط.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إزاي الممثل يعيط من غير جلسرين؟.. شوفوا رأي الفنان أحمد كمال


.. سحر الفن والطبيعة في قلب نيل الزمالك .. عشرات الفنانين يحتف




.. أحمد فضل شبلول يتحدث عن اتفاق سري منح الفنان التشكيلي محمود


.. الشاعر والروائي أحمد فضل شبلول يكشف كواليس ترشحه وفوزه بجائز




.. مواقف وطرائف حصلت مع الفنان أحمد كمال وهو بيدرب تمثيل??