الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


نعمة الوجود: بين طيِّ الماضي واعتناق الحاضر

إكرام فكري

2026 / 5 / 29
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


لطالما اعتقدتُ أن العودة إلى الماضي وتحليله بلا توقف هي الطريق الأكثر صدقًا لفهم الذات، وكأن الحقيقة تختبئ في تفاصيل قديمة يكفي أن أفتحها مرارًا حتى تتضح. غير أنني، ومع التكرار، أدركتُ إدراكًا خافتًا: أن ما أعيد تفكيكه لا يتغير، وأن الذاكرة، مهما أعدتُ ترتيبها، تعيدني دائمًا إلى الشعور الأول نفسه، لا إلى إجابة جديدة.
ومع الوقت، بدأتُ أفهم أن الذات لا تُكتشف بالنظر إلى الوراء فحسب، بل بالقدرة على التوقف عن هذا النظر حين يتحول إلى استنزاف؛ فبعض ما نفعله باسم الفهم ليس إلا إعادة إحياءٍ لما انتهى، لا محاولة حقيقية لوعيه. ومن هنا اتخذت الإشكالية شكلها الحقيقي: إذا كان الماضي ثابتًا، وأنا في تغير دائم، فأي معنى يبقى في أن أُعيد عيش الشيء نفسه بعينٍ مختلفة وجسدٍ مُرهق؟ هل أنا أقترب من ذاتي، أم أبتعد عنها ؟ بهذا السؤال بدأ التحول… ليس كقفزة، بل كهدوءٍ داخلي بطيء: إدراك أن التفكير الزائد لا يضيف حقيقة جديدة، بل يعيد إنتاج المشاعر نفسها في صور مختلفة، وكأن العقل يدور حول نفسه بدل أن يتقدم. ومع كل عودة إلى الوراء، كان الحاضر يفقد شيئًا من خفته، دون أن يُستبدل بوضوحٍ حقيقي. تغير معنى الوعي لديّ؛ لم يعد الغوص في الماضي هو الطريق الوحيد للفهم، بل أصبح الفهم مرتبطًا بالقدرة على الإيقاف، على ترك ما انتهى في مكانه، دون أن أسمح له بأن يتحول إلى إقامة دائمة في أعماقي.
نحن هنا دون أن نختار البداية، لكننا نعيش كل ما يتفرع منها: نشعر، نخطئ، نحب، نفقد، ونرتبك أمام بساطة الحياة وتعقيدها في آنٍ واحد. وفي هذا التناقض تحديدًا تتشكل تجربتنا الإنسانية. إن كوننا هنا ليس أمرًا عابرًا، بل هو المعجزة الأولى التي تُبنى عليها كل التفاصيل. الوجود ليس فكرة نفهمها بالكامل، بل حالة نعيشها قبل أن نفسرها؛ هو ليس سؤالًا ينتظر جوابًا، بل فضاء نتحرك داخله ونحاول أن نمنحه معنى دون أن نختزله. أن أكون موجودة يعني أن أعيش هذا الامتداد بين النقيضين: بين ما أريده وما يحدث، بين ما أفهمه وما أشعر به، بين الماضي الذي لا يعود، والحاضر الذي لا يتوقف. وفي هذا التوتر تتشكل إنسانيتي.
وأنا أستعيد الصورة كاملة، لا أرى فقط ما كان موجعًا، بل أرى أيضًا ما كان خافتًا من الجمال؛ تلك اللحظات الصغيرة التي مرّت دون أن تُلتقط. وكأن الذاكرة، حين تتحرر من انحياز الألم، تبدأ في الاعتدال. لم يكن الوجود يومًا قصة سوداء خالصة، بل لوحة تتجاور فيها الظلال مع الضوء، وما بينهما نتجلى. في النهاية، وبعد كل هذا التنظير حول ضرورة الخفة و التوقف عن التحليل ، أجدني جالسةً هنا.. أحللُ سبب تحليلي، وأشرحُ فلسفة عدم الشرح، وأدققُ في لغوية جملةٍ بدأت بـ لطالما .
يبدو أن عقلي يرفض أن يكون مجرد مستأجر هادئ في جسدي؛ إنه مدير تنفيذي مهووس، يصرُّ على عقد اجتماعات طارئة في الثانية صباحاً لمناقشة لماذا لم أتجاوز الأمر بعد؟ ، بينما كل ما أريده هو أن أغلق ملف الذاكرة وأذهب للنوم.
لقد قررتُ التحرر من سطوة الماضي، لكن يبدو أن عقلي لا يزال يرسل لي إشعارات: عذراً، هل أنتِ متأكدة أنكِ حللتِ الموقف الأخير بشكل كافٍ؟ لا تزال هناك تفاصيل صغيرة لم يتم فحصها! .
حسناً.. سأحاول أن أكون خفيفة، سأحاول ألا أغرق في التفاصيل.. لكن لا تعدوني بأي شيء، فالمعركة بين رغبتي في الهدوء و عقلي الذي يريد هندسة الكون لا تزال في ذروتها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. خلفية التصعيد في هجمات إيران على الأردن • فرانس 24


.. أمريكا تحذر من تصعيد مفاجئ بالمنطقة ومقتل جنديين وفقدان آخر




.. خبير عسكري يكشف سر صاروخ إيران الفرط صوتي الموجه للأردن وسين


.. هجوم مباشر من المرشد الإيراني على الرئيس الأميركي




.. انفجارات عنيفة تدوي في كردستان العراق