الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
حين ترتفع عوائد السندات ويصمت الذهب: هل بدأ العالم يسمع صوت تصدع النموذج الأمريكي؟
احمد البهائي
2026 / 5 / 29الادارة و الاقتصاد
تبدو الأسواق العالمية اليوم وكأنها تعيش حالة ارتباك غير مسبوقة؛ الذهب يتراجع رغم الحروب، عوائد السندات الأمريكية تقفز بعنف، الدولار يتماسك، والنفط يتحول من سلعة طاقة إلى سلاح جيوسياسي مفتوح على كل الاحتمالات. هذه ليست مجرد تقلبات عابرة، بل لحظة تاريخية تعكس صدامًا بين ثلاث أزمات كبرى تتشكل في وقت واحد: أزمة تضخم، وأزمة دين، وأزمة ثقة في المستقبل الاقتصادي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة منذ عقود.
في قلب هذا المشهد، لم تعد الأسواق تترقب فقط بيانات التضخم الأمريكية، بل أصبحت تعيش بالفعل تحت تأثيرها المباشر بعد أن أظهرت بيانات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي (Core PCE)، وهو مؤشر التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، ارتفاعًا جديدًا عكس استمرار الضغوط التضخمية بصورة أكثر عنادًا مما كانت تتوقعه الأسواق. فبدلًا من أن يواصل التضخم مساره الهابط نحو مستهدف 2%، بدأ الاقتصاد الأمريكي يرسل إشارات مقلقة بأن التضخم قد يعاود الارتفاع مجددًا، خاصة مع صدمة النفط الناتجة عن الحرب الأمريكية الإيرانية والتوترات المتصاعدة في الخليج.
وهنا تكمن خطورة اللحظة الحالية؛ لأن الفيدرالي الأمريكي كان يراهن على أن تباطؤ الاقتصاد وارتفاع الفائدة كافيان لإخماد التضخم تدريجيًا، لكن ارتفاع مؤشر الـPCE أعاد للأسواق شبح السيناريو الأكثر رعبًا: تضخم مرتفع داخل اقتصاد يتباطأ بالفعل. أي العودة إلى بيئة “الركود التضخمي”، حيث تصبح أدوات السياسة النقدية شبه مشلولة؛ فخفض الفائدة قد يعيد إشعال الأسعار، بينما الإبقاء عليها مرتفعة قد يدفع الاقتصاد نحو تباطؤ أعمق.
ومع تصاعد التوتر في الخليج والتهديدات المرتبطة بمضيق هرمز، بدأت أسعار الطاقة تتحول إلى قنبلة تضخمية عالمية جديدة، تعيد إلى الأذهان كوابيس السبعينيات لكن داخل عالم أكثر هشاشة وديونًا واعتمادًا على التمويل الرخيص. فالمشكلة لم تعد نقدية فقط، بل أصبحت جيوسياسية بامتياز، لأن النفط اليوم لا يتحرك وفق معادلات العرض والطلب التقليدية فقط، بل وفق احتمالات الحرب واتساع الصراع واضطراب طرق الإمداد العالمية.
ورغم أن مؤشر ثقة المستهلك الأمريكي سجل في أبريل 2026 نحو 92.8 نقطة مقابل 92.2 نقطة في مارس، في تحسن طفيف ظاهريًا، فإن تفاصيل المؤشر كشفت صورة أكثر قتامة مما تعكسه الأرقام العامة. فالمكون الأخطر داخل التقرير، وهو مؤشر التوقعات قصيرة الأجل للدخل والأعمال وظروف العمل، سجل نحو 72.2 نقطة فقط، ليبقى دون مستوى 80 نقطة للشهر الخامس عشر على التوالي، وهو المستوى الذي يُنظر إليه تاريخيًا باعتباره إشارة تحذيرية مرتبطة باحتمالات الركود.
وهنا تكمن المفارقة الأخطر: الاقتصاد الأمريكي لا يبدو منهارًا بالكامل، لكن المزاج الاقتصادي للمستهلك الأمريكي يتآكل بصورة مستمرة. فالمواطن الأمريكي لم يعد يخشى فقط أسعار الفائدة المرتفعة، بل بات يخشى ارتفاع الوقود والطاقة والغذاء وتكاليف المعيشة نفسها. أي أن القلق لم يعد ماليًا فقط، بل أصبح قلقًا وجوديًا يتعلق بالقدرة على الحفاظ على مستوى الحياة مستقبلاً.
لكن الأكثر خطورة أن الإنفاق الاستهلاكي الأمريكي قد يواصل الارتفاع رغم تراجع الثقة، لا بسبب قوة الاقتصاد، بل بسبب الخوف من المستقبل. فالأسر قد تتجه إلى شراء السلع وتخزينها تحسبًا لارتفاع الأسعار لاحقًا بفعل الحرب واضطرابات النفط. أي أن الاستهلاك هنا لا يعبر عن تفاؤل اقتصادي، بل عن ذعر تضخمي مقنع في صورة نشاط اقتصادي مؤقت. وهذه من أخطر الإشارات التي يمكن أن تظهر في أي اقتصاد، لأن السوق يصبح مدفوعًا بالخوف لا بالثقة.
ورغم هذه الأجواء المشتعلة، تراجع الذهب بدلًا من الارتفاع، بينما قفزت عوائد السندات الأمريكية وبقي الدولار متماسكًا نسبيًا. وهنا ظهرت المفارقة التي أربكت المستثمرين: لماذا لا يرتفع الذهب مع الحرب والتوترات؟ ولماذا لم ينهَر الدولار رغم كل هذا المشهد المضطرب؟ والإجابة أن الأسواق لم تعد ترى الخطر الجيوسياسي وحده، بل ترى خلفه خطرًا أكبر: عودة التضخم واستمرار الفائدة المرتفعة لفترة أطول.
فارتفاع النفط بسبب الحرب يعني ارتفاع التضخم، وارتفاع التضخم يعني أن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قد يضطر إلى إبقاء الفائدة مرتفعة أو تأجيل أي خفض منتظر. لذلك ارتفعت عوائد السندات الأمريكية، خصوصًا سندات السنتين المرتبطة بتوقعات الفيدرالي، لأن الأسواق بدأت تقلل رهاناتها على خفض الفائدة قريبًا.
وفي الوقت نفسه بقي الدولار متماسكًا، ليس لأن الاقتصاد الأمريكي يعيش أفضل حالاته، بل لأن العالم كله يبدو أكثر هشاشة واضطرا…
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. قراءة اقتصادية.. هل تتحول أزمة هرمز إلى مكسب استراتيجي جديد
.. قراءة اقتصادية.. التصعيد في هرمز يبدد مكاسب صادرات النفط الخ
.. الرئاسي اليمني يتهم الحوثيين بجر البلاد لصراعات إقليمية ويعل
.. الحكومة تبدأ مناقشات وضع برنامج إصلاح اقتصادي وطني بعد مرحلة
.. يستكمل الإصلاحات بعد انتهاء مرحلة صندوق النقد الدولي.. تفاصي