الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


عرب الداخل: بين التمسك بالحقوق أو استبدالها

ناضل حسنين
الكاتب الصحفي

(Nadel Hasanain)

2026 / 5 / 29
القضية الفلسطينية


في كل مرحلة يمر بها مجتمعنا العربي في هذه البلاد تظهر شخصيات تطرح نفسها بوصفها حاملة "الطريق الجديد". لا تأتي هذه الشخصيات عادة وهي تقول للناس: تخلوا عن مطالبكم الأساسية. بل تأتي بخطاب أكثر جاذبية: لقد جربتم هذا الطريق عشرات السنين ولم تنجحوا، فلماذا لا تجربون شيئًا مختلفًا؟
وهنا تكمن خطورة المسألة. فهم لا يطرحون الفكرة بوصفها تنازلًا، بل بوصفها شجاعة. ولا يعرضونها باعتبارها تراجعًا عن الثوابت، بل باعتبارها تحررًا من الماضي. ويريدون من خلالها للجمهور أن يقتنع بأن المشكلة ليست في أن حقوقه لم تتحقق، بل في أنه ما زال متمسكًا بالمطالبة بها.
ليس من قبيل الصدفة أن يتم تسليط الضوء على وجوه جديدة أو شخصيات تفتقر إلى التجربة السياسية العميقة. فظهور هذه النماذج يمنح الانطباع بأن هذا هو صوت التحول الجديد، وأن كل من يعارضه ينتمي إلى زمن قديم انتهت صلاحيته. وهكذا تتحول الفكرة من نقاش سياسي إلى معركة نفسية بين "التقدم" و"التخلف"، وبين "الواقعية" و"الأوهام".
لكن السؤال الذي يجب طرحه دائمًا هو: ما هو الجديد فعلًا في هذا الطريق؟ هل يحمل أدوات جديدة لتحقيق المطالب الجماعية؟ أم أنه يكتفي بإعادة تعريف النجاح بحيث يصبح التخلي عن المطالب إنجازًا بحد ذاته؟
لكن أخطر ما في هذا الخطاب ليس ما يقوله عن المستقبل، بل الصفقة التي يعرضها على الناس. فهو لا يأتي ليقول لهم: تخلوا عن مطالبكم القومية والوطنية. لو فعل ذلك لرفضه معظمهم فورًا. بل يأتي بعرض أكثر ذكاءً: ماذا ستستفيدون من الشعارات الكبيرة؟ ماذا جنيتم من المطالب التي لم تتحقق منذ عقود؟ أليس الشارع المعبد أفضل من شعار "حل الدولتين"؟ أليست الميزانية أهم من خطاب سياسي؟ أليست الوظيفة أهم من قضية مؤجلة لا يبدو أنها ستتحقق قريبًا؟
وهكذا تبدأ اللعبة. في البداية تبدو المقايضة منطقية. فالإنسان بطبيعته يفكر في احتياجاته المباشرة. يريد بيتًا، وشارعًا، وفرصة عمل، ومدرسة أفضل لأبنائه. لكن الخطورة تبدأ عندما لا تُطرح هذه الإنجازات بوصفها حقوقًا مدنية يجب انتزاعها بالتوازي مع الحقوق الجماعية، بل بوصفها بديلًا عنها وثمنًا للتخلي عنها.
عندها يتحول النقاش من: كيف نحقق مطالبنا الوطنية والمدنية معًا؟ إلى: أي المطالب سنضحي بها مقابل بعض المكاسب اليومية؟ وتصبح المعادلة وكأنها اختيار بين الكرامة والخبز، وبين الهوية والخدمات، وبين الانتماء والمصلحة الشخصية.
ومع مرور الوقت يعتاد الناس هذه المقايضة. يصفقون لمن يجلب ميزانية هنا أو مشروعًا هناك، ليس لأن الإنجاز غير مهم، بل لأنهم اقتنعوا بأن سقف طموحهم يجب أن يتوقف عند هذا الحد. شيئًا فشيئًا تختفي المطالب التي تزعج السلطة من الخطاب العام، وتحل محلها مطالب خدمية يمكن تلبيتها بسهولة ومن دون أي تغيير حقيقي في مكانة المجتمع أو حقوقه.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة. فالسلطة لا تنزع عن الإنسان هويته دفعة واحدة، بل تتركه يفعل ذلك بنفسه. تمنحه ما يكفي من الإنجازات الصغيرة ليكف عن طرح الأسئلة الكبيرة. وتمنحه ما يكفي من الرضا المؤقت ليؤجل مطالبه الأساسية إلى أجل غير مسمى.
وبعد سنوات، قد يستيقظ المجتمع ليكتشف أن الشوارع عُبّدت فعلًا، وأن بعض الميزانيات وصلت فعلًا، وأن الخدمات تحسنت في بعض المجالات فعلًا، لكنه يكتشف أيضًا أن الخطاب الذي كان يدافع عن هويته وحقوقه الجماعية قد تآكل، وأن المطالب التي كانت تشكل جزءًا من وعيه الجمعي أصبحت توصف بأنها قديمة أو غير واقعية أو مزعجة.
عندها لا يكون التغيير قد وقع في السياسة فقط، بل في الوعي نفسه. ويصبح أخطر ما خسره المجتمع ليس مطلبًا بعينه، بل قدرته على تخيل نفسه كجماعة لها قضية مشتركة تتجاوز حدود الشارع المعبد والميزانية السنوية والمنفعة الفردية الآنية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي أقلية قومية هو أن تنتقل من المطالبة بحقوقها إلى تبرير عدم حصولها عليها. ومن السعي لتغيير الواقع إلى التكيف معه. ومن الضغط لتحقيق المساواة إلى اعتبار المطالبة بالمساواة عبئًا يجب التخلص منه.
لقد تعلمت المجتمعات عبر التاريخ أن الحقوق لا تضيع دفعة واحدة، بل بالتدريج. تبدأ القصة دائمًا بإقناع الناس بأن بعض المطالب غير واقعية، ثم أن بعضها الآخر غير ضروري، ثم أن مجرد الحديث عنها يضر بالمصالح اليومية. وبعد سنوات يكتشف الناس أن ما كان يعتبر حدًا أدنى من الإجماع أصبح رأيًا متطرفًا يحتاج إلى من يدافع عنه.
المشكلة ليست في البحث عن أساليب جديدة للعمل السياسي، فالتجديد ضرورة لأي مجتمع حي. المشكلة تبدأ عندما يصبح التجديد مرادفًا للتنازل، وعندما يكون الناس مطالبين بأن يدفعوا ثمن تقبل الآخر لهم من رصيد حقوقهم الوطنية والمدنية. عندها لا نكون أمام طريق جديد، بل أمام طريق قديم جدًا: طريق التخلي التدريجي عن المطالب تحت عنوان الواقعية، حتى يصبح السقف الذي وقف عنده الآخر منذ سنوات هو السقف الذي نقنع أنفسنا بعدم تجاوزه.
لهذا لا ينبغي أن نسأل فقط من يتحدث على المنصة، بل من يحدد أجندة الحديث أصلًا. ولا ينبغي أن ننبهر بجرأة الطرح قبل أن نسأل: من المستفيد إذا تراجع المجتمع عن مطالبه؟ ومن الخاسر إذا تحولت الحقوق إلى مجرد وجهة نظر قابلة للمساومة؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إيران وعمان يبحثان آلية لعبور السفن من مضيق هرمز


.. انفجارات عنيفة تهز مدنا وموانئ في محافظتين جنوبي إيران




.. القيادة المركزية الأمريكية تعلن بدء جولة ضربات ثالثة ضد قدرا


.. مسقط تستضيف مباحثات عمانية إيرانية بشأن أمن الملاحة في مضيق




.. جولة الصحافة | سعي أوروبي لاحتواء الخلاف بشأن مضيق هرمز