الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مقالات :عن العقل والقراءة وحق التفكير: من الحوار إلى الوعي النقدي

هدى عزالدين محمد
شاعرة

(Huda Ezz El-din Muhammad)

2026 / 5 / 30
قضايا ثقافية


يدور هذا المقال حول نقاش ممتد بين فكرة “القراءة كخبرة معرفية” وفكرة “العقل كمرجع أول في الحكم على المعرفة”، وهو نقاش يكشف توترًا موجودًا في بعض السياقات الثقافية بين قيمة القراءة بوصفها تراكمًا معرفيًا، وبين قيمة التفكير بوصفه ممارسة مستقلة لإنتاج المعنى.
بدأت الفكرة من موقف اجتماعي يتكرر في بعض الأوساط الثقافية، حيث يُطرح سؤال:
"ماذا تقرأ؟".
"ولمن تقرأ؟".
قد يبدو هذا السؤال في ظاهره سؤالًا معرفيًا، لكنه أحيانًا يُستخدم بطريقة تتحول فيها القراءة إلى معيار غير مباشر لتقييم الأشخاص وأفكارهم، وكأن شرعية الرأي تتوقف على نوعية المراجع أو عددها.
في هذا السياق برزت فكرة الاعتراض على تحويل المعرفة إلى معيار تفاضل بين الناس، لأن المعرفة في جوهرها ليست قائمة كتب "فقط"تُستخدم لإثبات القيمة ، بل هي وعي يتشكل داخل الإنسان ويظهر في طريقة تفكيره وفهمه للعالم وقدرته على التحليل وإنتاج المعنى.
ومن هنا جاءت عبارة “أنا ابنة عقلي” بوصفها تعبيرًا عن استقلالية في التعامل مع المعرفة. لا بمعنى رفض القراءة أو إنكار أثرها، بل بمعنى أن كل ما يُقرأ لا يتحول تلقائيًا إلى قناعة جاهزة، وإنما يمر عبر العقل بالفحص والنقد والاختيار. فالعقل في هذا التصور ليس متلقيًا سلبيًا، بل عنصرًا فاعلًا في تشكيل الموقف الفكري.
ويجد هذا التصور جذوره الفلسفية الواضحة عند الفيلسوف ، الذي أحدث ما يُعرف بـ”الثورة الكانطية” في نظرية المعرفة. فقد رأى كانط أن العقل لا يستقبل المعرفة بشكل خام أو سلبي، بل يشارك في تنظيمها وتشكيلها داخل بنية ذهنية تجعلها قابلة للفهم. وبهذا تصبح المعرفة نتيجة تفاعل بين ما تقدمه التجربة من معطيات، وما يقوم به العقل من تنظيم وتأويل، لا مجرد انعكاس مباشر للعالم أو للنصوص المقروءة.
ومن هذا المنظور، يصبح ما يُسمّى بالإنتاج المعرفي مرتبطًا بقدرة الإنسان على تحويل ما يقرأه أو يعيشه إلى رؤية خاصة به. فليست كل قراءة تنتج فهمًا عميقًا، كما أن الإبداع لا يُقاس فقط بتراكم المصادر، بل بقدرة العقل على إعادة صياغة المعطيات في شكل رؤية جديدة.
كما تشير هذه الفكرة أيضًا إلى أن بعض التصورات قد تولد داخل الإنسان من تجربته وتأمله قبل أن تجد صيغتها في الكتب أو النظريات، وهو ما يجعل القراءة لاحقًا وسيلة لتوسيع الأفق وإعادة الفهم، لا لإلغاء التجربة الذاتية أو استبدالها بالكامل.
وفي المقابل، يظهر في بعض النقاشات نمط آخر يتمثل في افتراض أن من يخالف الرأي هو “غير مطلع” أو “غير قارئ”، وكأن الاختلاف في الفهم دليل تلقائي على نقص المعرفة. هذا النوع من التعميم يحوّل الحوار من مناقشة الأفكار إلى الحكم على الأشخاص، بدلًا من مناقشة الحجج ذاتها. بينما الواقع أن اختلاف الرأي قد ينشأ من اختلاف زاوية النظر، أو طريقة التحليل، أو حتى من قراءة مختلفة للنصوص نفسها.
ومن هنا فإن اختزال قيمة الإنسان في مقدار ما قرأه، أو ربط صحة رأيه بامتلاكه لنفس المراجع، يُعد شكلًا من أشكال تحويل المعرفة إلى معيار إقصائي، يضيق مساحة الحوار بدل أن يوسعها.
أما استعارة “العقل كمكينة” فيمكن فهمها كتقريب لفكرة إعادة تشكيل المعرفة داخل الذهن، لكن مع التأكيد أن العقل ليس جهازًا آليًا، بل منظومة حية من الفهم والتأويل تتأثر بالتجربة واللغة والقيم والوعي الشخصي، وتنتج في النهاية فهمًا خاصًا لا نسخة مكررة من المصادر.
وفي النهاية، يتضح أن جوهر هذا النقاش لا يتعلق بالقراءة نفسها، بل بسؤال أعمق: هل تُقاس قيمة الإنسان بما يقرأه، أم بكيفية تفكيره بما يقرأه؟
إن الثقافة لا تتحقق عبر فرض معايير ثابتة على الجميع، ولا عبر تحويل القراءة إلى أداة تفاضل، بل عبر تحرير مساحة التفكير ليكون قادرًا على الفهم والنقد وإنتاج المعنى. وهكذا يصبح اختلاف القراءات أمرًا طبيعيًا، بل ضروريًا، لأن تنوعها يثري الوعي بدل أن يحصره في نموذج واحد.
ويظل الموقف قائمًا على فكرة مركزية:
"أن العقل ليس تابعًا للمراجع، بل شريكًا لها في إنتاج الفهم، وأن قيمة المعرفة لا تكمن في امتلاكها، بل في أثرها داخل الوعي، وفي ما يترتب عليها من رؤية مستقلة للعالم".
-الاسكندرية30مايو2026.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لماذا تتقاطع المصالح التركية والسعودية في سوريا؟ | نيوز زووم


.. ما مستقبل لبنان بعد التفاهم بين أميركا وإيران؟ وهل يلبي الشر




.. موازين | في ظل الأزمات والحروب.. ماذا تقول الجغرافيا السياسي


.. لماذا يتظاهر سوريون ضد قاعدة عسكرية تركية شمالي سوريا؟




.. تفاعلكم | الميكروفونات تفضح القادة في قمة G7