الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الفكر الديكارتي والسقوط في فخ المفاهيم الحديثة
ماجد أمين
2026 / 5 / 31الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
بقلم: ماجد أمين
شَكّل الفكر الديكارتي في القرن السابع عشر قفزة معرفية كبرى، حيث حاول رينيه ديكارت تأسيس اليقين العلمي على قاعدة "الكوجيتو" (أنا أفكر، إذن أنا موجود). غير أن هذا اليقين لم يكن ليكتمل في نسقه الفلسفي دون استدعاء "الضامن المعرفي الميتافيزيقي"؛ أي إله كامل لا يخدع العقل. لكن بمرور القرون، تبيّن أن الصرح الذي بناه ديكارت كان مشروطاً بوعي علمي محدود بزمنه، ليتهاوى هذا الصرح اليوم تحت مطارق المفاهيم العلمية والرياضية الحديثة.
. زوايا المثلث: من اليقين المطلق إلى نسبيّة الهندسة
اعتمد ديكارت على حقائق الهندسة الإقليدية كأقوى دليل على وجود "ماهيات أزلية" مطبوعة في العقل. لقد ضرب مثاله الشهير بالمثلث، مؤكداً أن مجموع زواياه يساوي 180^-circ بالضرورة، وأن هذه الخاصية ملازمة لماهية المثلث سواء وُجد في الطبيعة أم لا.
لكن هذا "اليقين المطلق" تفتت تماماً في القرن التاسع عشر مع ظهور الهندسات غير الإقليدية (هندسة ريمان ولوباتشيفسكي). ففي الفضاء المحدب (الإنحناء الإيجابي)، تزداد زوايا المثلث عن 180^-circ، وفي الفضاء المقعر (الإنحناء السلبي)، تقل عن ذلك. إن تغير طبيعة المثلث بتغير انحناء السطح أثبت أن القوانين الرياضية ليست ماهيات أزلية مغروسة في العقل، بل هي "نماذج وافتراضات عقلية" نبتكرها لتفسير الواقع، وهي نسبية ومشروطة وليست حقائق مطلقة كما توهم ديكارت.
. انهيار البرهان الأنطولوجي وانحلال الماهيات
في التأمل الخامس، صاغ ديكارت برهانه الأنطولوجي (الوجودي) قائلاً: إن فكرة "الكائن الكامل" تتضمن "الوجود" كصفة ضرورية من صفات كماله، تماماً كما تتضمن فكرة المثلث أن زواياه تساوي قائمتين.
إن سقوط إطلاقية مثال المثلث جرّ وراءه انهيار البرهان الأنطولوجي بأكمله. فالماهية (ما هو الشيء) لا تدل على الوجود الذاتي، بل هي مجرد تصورات ذهنية مرنة تتغير بتغير الأدوات المعرفية للبشر. فكرة "المصمم الذكي" أو "الإله الديكارتي" تحولت هنا من حقيقة موضوعية متعالية إلى "إسقاط انفعالي وعقلي". العقل البشري هو من يصنع المفهوم الكلي أولاً، ثم يقوم بإسقاط الوجود عليه تلبيةً لحاجته إلى الطمأنينة المعرفية والوجودية.
. الفطرة: من الثبات الميتافيزيقي إلى الحلول في العناصر الميكروية
اعتقد الفكر الكلاسيكي أن "الفطرة" هي وثيقة لاهوتية ثابتة ومطبوعة مسبقاً في الروح البشرية. لكن من منظور مادي حديث، يتصل برؤية أرسطو حول "القدم الزمني للمادة وحركتها الأزلية"، فإن الفطرة تسقط من برجها الميتافيزيقي لتتحلل في البنيات البيولوجية والكيميائية الدقيقة.
ما يسميه الفلاسفة "فطرة إنسانية" ليس إلا تراخماً تطورياً ونتاجاً لآليات البقاء الكامنة في الدماغ البشري. وإذا فككنا هذه الفطرة تصاعدياً، فلن نجد لها جوهراً مجرداً؛ بل سنجد أنها ترتد في عمقها إلى "فطرة الجين" الساعي للبقاء والتكاثر، وبتعميق التحليل، نصل إلى "فطرة الحمض الأميني" والروابط الجزيئية الميكروية التي تتحرك وفق قوانين الفيزياء للوصول إلى الاستقرار. إن "الفطرة" ليست هبة ميتافيزيقية مسبقة، بل هي الخصائص الفيزيوكيميائية الكامنة في أزلية المادة وحركتها التطورية من الجزيء الصغير إلى الوعي المعقد.
خاتمة:
لقد سقط الفكر الديكارتي في فخ مفاهيمه الزمانية؛ فالمثالية والماهيات الفطرية التي اتخذها كجسور للميتافيزيقا، أثبت العلم الحديث أنها مجرد إفرازات مادية وتطورية. إن الكون لا يحتاج إلى ضامن خارجي ليفسر نفسه، بل يفسر ذاته بذاته عبر حركة المادة الأزلية وتحولاتها اللانهائية.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تبون في برلين: هل تصبح الجزائر الشريك الاستراتيجي الأول لألم
.. فرنسا تقر حق الموت بمساعدة طبية بعد سنوات من الجدل
.. رئيس الوزراء الفرنسي في المغرب لترسيخ صفحة جديدة في العلاقات
.. لبنان وإسرائيل يقتربان من تنفيذ الاتفاق الإطاري بعد جولة الم
.. تونس: -أزمة عطش-؟ • فرانس 24 / FRANCE 24