الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الوعي العراقي وتحولات الفضاء الرقمي
حسين علي محمود
2026 / 5 / 31المجتمع المدني
كلما ازداد الجدل و الصراع على منصات التواصل الاجتماعي في العراق، عاد السؤال ذاته إلى الواجهة، هل كان من الأفضل لو لم تدخل هذه المنصات إلى حياتنا أصلاً؟! بل إن بعض المقترحات تدعو إلى حجبها أو تقييدها بحجة أنها تحولت إلى مصدر دائم للتوتر و الانقسام و الكراهية.
قد يبدو هذا الطرح متطرفاً للوهلة الأولى لكنه لا يأتي من فراغ، فمن يتابع المشهد العراقي الرقمي يلاحظ بسهولة(عند البعض) حجم الشتائم المتبادلة، سرعة الانتقال من الاختلاف إلى التخوين، من النقاش إلى التكفير، و من الرأي إلى العداء الشخصي (الشخصنة).
كما يلاحظ ظاهرة أخرى لا تقل غرابة و هي أن كثيرين يخوضون بحماسة في تفاصيل الصراعات الدولية و الإقليمية و كأنهم أطراف مباشرة فيها بينما يتجنب بعضهم الحديث بنفس الجرأة عن القضايا المحلية التي تمس حياته اليومية.
هذه المفارقة تطرح أسئلة أعمق من مجرد الحديث عن التكنولوجيا، فالمشكلة ليست في الهاتف الذكي و لا في التطبيق الإلكتروني، و إنما في الطريقة التي استقبل بها المجتمع هذه الوسائل و كذلك في الشروط الثقافية و السياسية التي أحاطت بها.
لقد دخلت وسائل التواصل الاجتماعي إلى العراق بسرعة جارفة، في مجتمع كان يخرج تدريجياً من عقود طويلة من الحروب و العقوبات و العنف و الاضطرابات السياسية.
و في الوقت الذي احتاجت فيه المجتمعات الحديثة إلى عقود لبناء تقاليد الحوار المدني و قبول الاختلاف و التربية الإعلامية حيث جد العراقي نفسه فجأة أمام فضاء مفتوح يستطيع من خلاله مخاطبة العالم بأسره بضغطة زر.
لكن امتلاك وسيلة التعبير لا يعني بالضرورة امتلاك ثقافة التعبير، فهناك فرق كبير بين حرية الكلام و القدرة على إدارة الاختلاف.
و لهذا تحولت المنصات الرقمية لدى بعض المستخدمين إلى ساحات للصراع الرمزي أكثر من كونها فضاءات للنقاش العقلاني.
إضافة إلى ذلك أن المجتمع العراقي يعاني أصلاً من تعدد الانتماءات و الولاءات، فالفرد قد ينتمي في الوقت نفسه إلى عشيرة، طائفة، حزب، جماعة أيديولوجية، و بيئة اجتماعية معينة.
و عندما يدخل إلى الفضاء الرقمي فإنه لا يترك هذه الانتماءات خلفه، بل يحملها معه و يعيد إنتاجها بصورة أكثر حدة.
لذلك يصبح أي نقاش سياسي أو ديني أو اجتماعي معرضاً للتحول سريعاً إلى معركة هوية بدل أن يبقى نقاشاً للأفكار.
و من المشكلات الواضحة أيضاً ضعف حضور التفكير النقدي لدى جزء من الجمهور، فالأغليية من المستخدمين يتعاملون مع المعلومات بوصفها حقائق نهائية ما دامت صادرة عن جهة يحبونها أو شخصية يثقون بها.
أما التحقق من المصادر أو مراجعة المعلومات أو اختبار الحجج، فغالباً ما يأتي في مرتبة متأخرة و نتيجة لذلك تنتشر الشائعات بسرعة مذهلة و تتحول الأكاذيب أحياناً إلى قناعات راسخة يصعب زعزعتها.
كما أن وسائل التواصل نفسها تشجع هذا السلوك حيث هي لا تكافئ التوازن و الهدوء بقدر ما تكافئ الإثارة و الاستفزاز، إذ ينتشر المنشور الغاضب أكثر من المنشور المتزن و الاتهام يجذب الانتباه أكثر من التحليل و الشتيمة تحصد تفاعلاً أكبر من الحجة المنطقية.
و مع مرور الوقت يصبح المستخدم أسيراً لمنطق المنصة التي تدفعه دون أن يشعر إلى تبني مواقف أكثر حدة و صدامية.
من المفارقات اللافتة أن بعض الأفراد يظهرون شجاعة استثنائية عند الحديث عن أزمات العالم و صراعاته لكنهم يصبحون أكثر تحفظاً عندما يتعلق الأمر بقضاياهم المحلية. و يرتبط ذلك بعوامل عديدة منها الخوف من ردود الفعل الاجتماعية أو السياسية كذلك الشعور بأن الحديث عن القضايا البعيدة أقل كلفة من الحديث عن المشكلات القريبة. و هكذا يتحول الاهتمام بالشأن الدولي أحياناً إلى نوع من الهروب من مواجهة الأسئلة المحلية الأكثر إلحاحاً.
لكن هل يعني كل ذلك أن حجب وسائل التواصل الاجتماعي عن العراق سيكون حلاً؟! الجواب لا.
فالحجب قد يخفي الأعراض لكنه لا يعالج المرض، لإن المشكلات التي تظهر على المنصات ليست كلها من صنع المنصات نفسها، بل هي انعكاس لمشكلات موجودة أصلاً في المجتمع و إذا اختفت هذه الوسائل فسوف تجد الانقسامات و التوترات طرقاً أخرى للتعبير عن نفسها.
بل إن وسائل التواصل رغم سلبياتها الكبيرة قدمت أيضاً فرصاً مهمة للعراقيين حيث أتاحت الوصول إلى المعرفة، سهلت التواصل، كسرت احتكار المعلومات، و منحت الأفراد مساحة للتعبير لم تكن متاحة في أوقات سابقة.
كما لعبت دوراً في نشر الوعي بقضايا اجتماعية و ثقافية و إنسانية متعددة.
لذلك فإن السؤال الصحيح ليس كيف نحجب وسائل التواصل الاجتماعي؟! بل كيف نبني مجتمعاً قادراً على استخدامها بصورة أكثر نضجاً؟!
إن التحدي الحقيقي يكمن في تعزيز التفكير النقدي، تحسين التعليم، نشر ثقافة الحوار، تطوير الوعي الإعلامي، و تشجيع قبول الاختلاف، فالمجتمعات لا تصبح أكثر عقلانية بإغلاق النوافذ، بل بتعلم كيفية النظر من خلالها.
لقد كشفت وسائل التواصل الاجتماعي الكثير من التناقضات الموجودة في المجتمع العراقي لكنها لم تخلقها كلها.
إنها أشبه بمرآة ضخمة قد تكون مرآة مشوهة أحياناً لكنها تظل تعكس ما هو موجود بالفعل.
و لهذا فإن معالجة الفوضى الرقمية تبدأ أولًا من معالجة شروط إنتاجها في الواقع الاجتماعي و الثقافي و السياسي.
إن الأزمة ليست أزمة تطبيقات، بل أزمة وعي و ليست أزمة هواتف، بل أزمة ثقافة عامة ما زالت تبحث عن التوازن بين حرية التعبير و مسؤولية التعبير.
و حين ينجح المجتمع في بناء هذا التوازن ستتحول وسائل التواصل من ساحة صراع دائم إلى مساحة حقيقية للحوار و المعرفة و التفاعل الإنساني.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. ما السياسة التي تنتهجها القوى الغربية تجاه الانتهاكات الإسرا
.. جرائم سجون الاحتلال ضد الأسرى و-ازدواجية المعايير الدولية-..
.. خارج الصندوق | حماس في مواجهة الأمم المتحدة.. من يعرقل وصول
.. حكم غيابي بإعدام لحميدتي.. هل تنهار قوات الدعم السريع أم تتع
.. تقرير حقوقي يرصد أوضاعا قاسية داخل أكبر مركز لاحتجاز المهاجر