الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
من «حرب الجبهات» إلى «حرب المدن»: كيف يعيد التصعيد الجوي رسم طبيعة الصراع الروسي الأوكراني؟
زياد الزبيدي
2026 / 6 / 1مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
1 حزيران يونيو 2026
في مقال تحليلي نشره موقع فوينييه أبوزرينيه بتاريخ 27 أيار مايو 2026تحت عنوان «هل تتحول العملية العسكرية الخاصة إلى حرب مدن؟»، يطرح الكاتب الروسي فيكتور بيريوكوف قراءة لافتة لمسار الحرب الروسية ـ الأوكرانية، مفادها أن الصراع يدخل تدريجياً مرحلة جديدة تتراجع فيها أهمية الإختراقات البرية الكبرى لصالح حرب إستنزاف جوية تستهدف العمق المدني والإقتصادي والبنية التحتية.
وبحسب المقال، فإن الهجوم الواسع بالطائرات المسيّرة الذي إستهدف موسكو ومحيطها في 17 مايو/أيار لم يكن حادثة إستثنائية معزولة، بل قد يكون مؤشراً على تحوّل إستراتيجي أعمق في طبيعة الحرب نفسها.
الكاتب ينطلق من فرضية أساسية: عندما تصل الجبهات البرية إلى حالة جمود، تبدأ المدن بالتحول إلى ساحات الإشتباك الرئيسية.
موسكو تحت وابل المسيّرات
يشير المقال إلى أن العاصمة الروسية ومنطقة موسكو تعرضتا لما وُصف بأنه «أكبر هجوم بالمسيّرات منذ سنوات»، إذ تحدثت السلطات الروسية عن أكثر من 120 طائرة بدون طيار إستهدفت العاصمة وضواحيها، وأسفرت ـ وفق الرواية الروسية ـ عن سقوط قتلى وجرحى وإصابات مباشرة لمنشآت حيوية، من بينها منشآت نفطية ومرافق مرتبطة بالبنية التحتية للطاقة والنقل.
ويلاحظ الكاتب أن بعض التقديرات الروسية ربطت الهجوم بخطط أوكرانية سابقة كانت تستهدف موسكو خلال إحتفالات عيد النصر في التاسع من أيار مايو، قبل أن يُقال إن ضغوطاً أمريكية دفعت كييف إلى تجميدها آنذاك. لكن بيريوكوف يرفض تفسير الهجوم بإعتباره مجرد «إستعراض رمزي»، ويرى أن المسألة أعمق بكثير.
فبحسب مقاله، فإن «التهديد الحقيقي يكمن في إحتمال تحوّل هذه الضربات إلى نمط منتظم ومتكرر»، خصوصاً مع الزيادة المستمرة في أعداد المسيّرات المستخدمة من الطرفين، وإتساع مدى العمليات الجوية بعيداً عن خطوط التماس التقليدية.
«حرب المدن»… من بغداد وطهران إلى موسكو وكييف
أحد أكثر محاور المقال إثارة يتمثل في المقارنة التاريخية التي يعقدها الكاتب بين الحرب الروسية ـ الأوكرانية الحالية وما عُرف خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية في الثمانينيات بـ«حرب المدن».
ففي تلك المرحلة، وبعد أن وصلت المعارك البرية بين العراق وإيران إلى حالة إنهاك وجمود، لجأ الطرفان إلى قصف المدن الكبرى بالصواريخ والطيران، في محاولة لكسر إرادة الخصم وإرباك عمقه المدني والإقتصادي.
بيريوكوف يرى أن المشهد الحالي يحمل تشابهاً واضحاً، لكن مع فارق جوهري:
الحرب الحديثة أكثر كثافة وتعقيداً بسبب الإنتشار الهائل للطائرات المسيّرة الرخيصة نسبياً، والقادرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى بشكل شبه يومي.
ويشير الكاتب إلى أرقام ضخمة تعكس هذا التصعيد؛ فوزارة الدفاع الروسية أعلنت إعتراض أكثر من ألف طائرة مسيّرة أوكرانية خلال يوم واحد فقط، بينما تتحدث كييف عن موجات روسية تضم مئات المسيّرات والصواريخ في الليلة الواحدة.
هذه الأرقام، حتى مع إختلاف الروايات والدعاية الحربية، تكشف حقيقة يصعب تجاهلها: السماء باتت الجبهة الأساسية للحرب.
الجمود البري يدفع الحرب إلى الأعلى
في جوهر التحليل، يعتبر المقال أن ثبات خطوط التماس نسبياً خلال الأشهر الأخيرة هو العامل الأكثر أهمية في تفسير هذا التحول.
فالقتال على الأرض ـ كما يقول الكاتب ـ أصبح بطيئاً ومكلفاً إلى حد أن السيطرة على قرى صغيرة قد تستغرق أشهراً طويلة، من دون تغييرات إستراتيجية كبرى. ومع تعثر الهجمات البرية وصعوبة تحقيق إختراقات حاسمة، تتجه الأطراف بصورة متزايدة نحو أدوات الحرب بعيدة المدى.
وهنا تصبح المسيّرات أكثر من مجرد سلاح تكتيكي؛ إنها وسيلة لإدارة الإستنزاف الإقتصادي والنفسي والسياسي.
فالضربات المتكررة على المدن لا تهدف فقط إلى التدمير المباشر، بل إلى: إنهاك أنظمة الدفاع الجوي؛ تعطيل خطوط النقل والطاقة والخدمات؛ خلق ضغط نفسي دائم على السكان؛ وإظهار هشاشة العمق الإستراتيجي للخصم.
ومن هذه الزاوية، فإن الحرب ـ وفق القراءة الروسية الواردة في المقال ـ لم تعد تدور فقط حول السيطرة على الأراضي، بل حول القدرة على الصمود الإقتصادي والمعنوي طويل الأمد.
هل فشلت إجراءات قطع الإنترنت؟
يتناول المقال أيضاً قضية باتت مثار جدل واسع داخل روسيا: ما جدوى تعطيل الإنترنت المحمول والإتصالات خلال الهجمات بالمسيّرات؟
الكاتب ينقل عن مسؤولين وعسكريين روس إعترافاً ضمنياً بأن هذه الإجراءات لا توقف الهجمات فعلياً، بل ربما تعرقل بعض قنوات التشغيل فقط.
ويورد إقتباسًا لافتاً للضابط الروسي دميتري جينيكاشفيلي، الذي يقول إن الطائرات المسيّرة الحديثة لا تعتمد على قناة إتصال واحدة، بل تستخدم أنظمة توجيه متعددة، بما فيها الإتصالات الفضائية وشبكات البث عبر الأقمار الصناعية.
الفكرة الأساسية هنا أن الحرب التكنولوجية تجاوزت إلى حد بعيد مفهوم «قطع الشبكة» التقليدي.
فحتى في المناطق التي لا توجد فيها تغطية هاتفية، تواصل المسيّرات عملها إعتمادًا على أنظمة مستقلة أو اتصالات عبر الأقمار الصناعية مثل Starlink.
وهذا يعكس معضلة إستراتيجية أوسع: الدول الكبرى تمتلك دفاعات جوية هائلة، لكنها تجد نفسها في مواجهة أسراب ضخمة من المسيّرات الرخيصة والمرنة تقنياً، والتي يصعب إيقافها بالكامل.
لماذا أصبحت موسكو هدفاً متزايداً؟
في الجزء الأخير من المقال، يناقش بيريوكوف سؤالاً حساساً داخل روسيا: لماذا إزدادت الهجمات على موسكو تحديداً؟
هناك تفسير شائع يرى أن أوكرانيا تسعى أساساً إلى تحقيق تأثير نفسي وإعلامي، لأن العاصمة الروسية تتمتع بأقوى مظلة دفاع جوي في البلاد، ما يجعل إستهدافها مكلفاً عسكرياً وغير مضمون النتائج.
لكن المقال يذهب أبعد من ذلك.
فوفقاً للتحليل الذي ينقله الكاتب عن المدون الروسي المعروف باسم «أتومنايا فيشينكا»، فإن موسكو ليست مجرد رمز سياسي، بل هي: مركز الإقتصاد الروسي؛ القلب الإداري للدولة؛ وعقدة النقل واللوجستيات الرئيسية. وبالتالي، فإن إستهدافها يحقق أهدافاً إستراتيجية حتى لو كانت الخسائر المادية المباشرة محدودة.
ويشير المقال إلى أن أوكرانيا، مع تطور خبراتها الصناعية والعسكرية في مجال المسيّرات، تسعى بصورة متزايدة إلى إكتشاف «نقاط الضعف في أقوى درع دفاعي روسي»، في إشارة إلى منظومات الدفاع الجوي المحيطة بالعاصمة.
حرب إستنزاف مفتوحة بلا أفق حاسم
ورغم اللغة الحادة التي يستخدمها المقال أحياناً، فإن أهميته الحقيقية تكمن في أنه يعكس إتجاهاً متنامياً داخل الخطاب الإستراتيجي الروسي: الإعتراف الضمني بأن الحرب دخلت مرحلة طويلة من الإستنزاف المتبادل.
فلا روسيا تبدو قادرة حالياً على فرض حسم بري شامل، ولا أوكرانيا قادرة على إستعادة ميزان القوى ميدانياً بصورة حاسمة. وفي ظل هذا الإنسداد، تصبح الحرب الجوية ـ خصوصاً عبر المسيّرات ـ الوسيلة الأكثر فاعلية لمواصلة الضغط المتبادل.
لكن هذه المرحلة تحمل مخاطر كبيرة.
فكلما تحولت المدن والبنى التحتية المدنية إلى جزء من المعركة اليومية، إرتفعت إحتمالات: التصعيد غير المنضبط؛ الضغوط الإقتصادية العميقة؛ وإستنزاف المجتمعات نفسياً وسياسياً على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، يبدو أن السؤال الذي طرحه فيكتور بيريوكوف في عنوان مقاله ليس مجرد توصيف إعلامي، بل محاولة لرسم ملامح المرحلة المقبلة من الحرب: مرحلة قد تصبح فيها السماء، لا الجبهات البرية، هي الميدان الحاسم الحقيقي للصراع.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بعد قرار المحكمة.. هل يبدأ فضل شاكر حياة جديدة؟ | #ستوديو_وا
.. أوكرانيا وروسيا.. هجمات ببحر آزوف واضطراب سياسي بكييف بعد إق
.. مشاهد توثق آثار قصف أمريكي استهدف جسرا في بندر خمير جنوب إير
.. عبر الخريطة التفاعلية.. رصد لأبرز مواقع القصف الأمريكي على ج
.. فقرة خاصة | إلى أين يتجه الجدل الإيراني بشأن مذكرة التفاهم و