الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
حكايتي مع نصير عودة
حكمة اقبال
2026 / 6 / 1سيرة ذاتية
لم اتفاجأ وانا اعود الى البصرة بعد فراق 24 عاماً، أن أراها مدينة منهكة ومثقلة بإرث مدمّر من الحروب المتعاقبة والعقوبات الاقتصادية الخانقة، مدينة فقدت زهوها الجميل الذي اعرفه عندما غادرتها مضطراً عام 1979، وينطبق الأمر أيضاً على وجوه الناس التي اعرفها سابقاً، من الأهل والأصدقاء، والتي شاخت وشاب شعر رأسها وفقدت بعض اسنانها. كانت تلك الوجوه تنقل لي صورة واضحة عن مستوى المعاناة أيام الديكتاتورية.
أبرز صور المعاناة كانت لأبن خالتي وصديقي نائل الكاتب الذي تركته شاب جميل وأنيق ويرتدي البدلة الرسمية وربطة العنق بانتظام، ليستقبلني وهو يرتدي دشداشة بلون سمائي فاتح ولكنها تبدو غير نظيفة، مع نظارات سميكة كنا نسميها "ݘعب استكان" واصبح أصلع الرأس واسنانه لا يحسده عليها أحد، ولكن لحسن الحظ كان قد حافظ على مرح روحه وضحكته المجلجلة.
في البصرة، نصحني الرفاق والأهل ان أنتبه لنفسي، لأن الوضع الأمني غير مستقر، واستجابة لذلك كنت أختار الركوب في سيارة تكسي قديمة بدلاً من سيارة حديثة لآ يُعرف من يقودها، وانا التزمت بهذه النصائح.
في أحد الأيام وقفتُ في نهاية شارع الوطني أنتظر سيارة، جاءت سيارة تكسي بلونيها الأبيض والبرتقالي من نوع فولكا ولكنها قديمة و"مطعطعة" كما يقولون. لم اهتم للأمر وركبتها وقلت للسائق: الى شارع السعدي رجاءً.
فاجأني السائق بسؤال" أنت حكمة؟؟
أجبته بذهول وقلق وفرح: نعم انا حكمة، وما دمت تعرفني فانت تعلم اني أعود للبصرة بعد سنوات طويلة، ولايمكن ان اتذكرك بعد هذه السنوات، وبالأخص انك لم تحلق لحيتك منذ أيام، والشيب له حصة كبيرة في شعرك، فلا يمكنني ان اتذكر من أنت، فاعذرني لو سألتكَ من أنت؟
رد عليّ بصلابة: عليك ان تعرفني، فلن اخبركُ من أنا، وأضاف: هل انت ذاهب الى مقر الحزب؟ نعم انا ذاهب الى المقر. تجادلنا قليلاً حول من يكون، وأصرّ هو انه يجب عليّ ان أعرف من هو بنفسي.
أجبته بعد ان عصرت ذاكرتي: انا اتوقع شخص ما، ولكنه من المستحيل ان تكون هو. رد عليّ من هو؟ اجبته: نصير عودة. ردَ عليّ: انا نصير عودة.
حبستُ دموعي، وشعرتُ انه حبس دموعه أيضاً.
نصير عودة الذي لم التقيه منذ 1979، هو ابن الحاج (عودة حسن المحسن)، من تجار البصرة الكبار، كان قد تخرّج من قسم المسرح في معهد الفنون الجميلة، واشترك في أعمال مسرحية كثيرة. كان وسيماً وأنيقاً دوماً. نلتقي في مقهى ابو مضر على نهر العشار بعد الظهر، ونلتقي لاحقاً في المساء في نادي الفنون.
الحاج عودة كان قد تزوج عمتي (شكرية)، وكانت هي زوجته الثالثة، وأنجب منها ابنتهما الوحيدة (ابتسام) قبل وفاة عمتي المبكر، كنا نزورهم في بيتهم الكبير في محلة الخندق، لذا كانت معرفتي بنصير عائلية أولاً.
سأته كيف وصل الحال بك الى سياقة فولكا مطعطعة؟ أجابني: صادر نظام صدام كل أملاكنا، وجاء الحصار لنرى اسوأ الأيام. راتب الوظيفة لم يكن ليغطي احتياجاتنا، كنتُ ابيع الشاي في الشارع، وعندما كَبُرَ ابني وساعدني في العمل، تمكّنا من شراء هذه السيارة.
هنا وصلنا الى مقر الحزب في شارع السعدي، دعوته للدخول معي، اجابني: لا، سأذهب لحلاقة ذقني أولاً، وأوصل ابنتي من مدرستها للبيت واعود لك في مقر الحزب. قَبلتُ فكرته، وفعلاً عاد لاحقاً لمقر الحزب، وهو حليق الذقن، وكم كان فرحاً حين التقى بالرفيق الفقيد علي العضب و المخرج قصي البصري الذي صادف وجوده في البصرة حينها، وهما والآخرين كانوا فرحين بلقائه.
في بطاقته الشخصية نقرأ، انه بعد تخرجه من معهد الفنون الجميلة عام 1970، وانتسابه الى سلك التعليم، ساهم في تعزيز كفاءته ونجاحاته لاحقاً ممثلاً ومخرجاً مسرحياً في عدد كبير من الأعمال المسرحية، ومحاضراً في معهد الفنون الجميلة في البصرة.
هل كان يتمنى ان يكون يوم وفاته في 27 آذار الماضي؟ وكيف صادف ان يغادرنا في يوم المسرح العالمي، حيث كان يحتفل به مع اصدقائه وزملائه؟ على أية حال سنظل نتذكر يوم وفاته، كلما تذكرنا مناسبة يوم المسرح.
بعد وفاته كتب د. سنان سعيد على الفيسبوك مايلي، "عندما يعيش،المثقف العراقي الغربة الاجتماعيه في بلده في كل الاوقات والازمنه لم تأتي حكومه تنصف المثقف والفنان والادباء كان راتبه لايتجاوز كيس طحين في زمن الحصار وباع الشاي في شارع الجزائر لكن لم ولن يبيع ثقافته وكرامته وبقى عطرا فواح في كل الازمنه والاوقات مات جسدا لكن سوف تخلده ذاكرة الثقافه البصرية".
لينعم الفقيد نصير عودة بهدوء الرقدة الأخيرة بعد حياة فاعلة ومؤثرة وشاقة، ولعائلته واصدقائه وزملائه الصبر والسلوان.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
التعليقات
1 - كان صديق المسرحي سيد حسين الموسوي ما أخباره رجاء
كميل المعلم
(
2026 / 6 / 1 - 07:42
)
كنا نلتقي في محل نجارة سيد حسين خلف شارع الوطني قبل مغادرة العراق اُسوة بحضرتك، رجائي تسبقه التحية والإحترام.
.. هجوم نيس بعد عشر سنوات: جرح لا يندمل وذكرى لا تنسى
.. رسائل سياسية في العرض العسكري بباريس: من هي القوات المكرمة ف
.. الجزائر - مالي: نهاية القطيعة؟ • فرانس 24 / FRANCE 24
.. قوات جوية وفضائية تشارك في العرض العسكري بباريس.. أرقام وعدد
.. العرض العسكري بباريس: عرض المروحيات والقوات البرية والأسلحة