الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حفار القبور لا يخطئ الموعد

أكرم شلغين

2026 / 6 / 1
قضايا ثقافية


من بين ما بقي عالقا في ذاكرتي منذ الطفولة ما قرأته ذات يوم في مجلة "أسامة" للأطفال موضوعا مترجما من أدب أحد الشعوب في أوربا الشرقية عن راتسي، حفار القبور ومصمم شواهدها. لم يكن مجرد عامل يهيئ بيوت الموتى، بل كان معلماً صامتاً. كان إزميله ينقر على الحجر ليس بعنف، بل برقة من يعرف أن من ينامون هناك لا يحتاجون إلى صحوة، بل إلى من يذكر الأحياء. كان ينقش بإزميله ما معناه: لا تعتقد أن الموت يأتي من اتجاه واحد، من الشرق وحده أو الغرب وحده، من الشمال أو الجنوب. إنه يأتي من كل الجهات. في الليل والنهار. في اليقظة والمنام. في وطنك الذي عرفت طفولتك فيه، وفي غربة لم تكن في الحسبان. كأن إزميل راتسي كان يقول بلطف الحفار القديم: "لستَ خالداً أيها الإنسان، فاجعل لحياتك معنى قبل أن يحفر إزميلي قبراً بلا اسم".
ومازالت هذه الحكاية مستقرة في رأسي قبل مسامعي بعد عقود، ليس لأنها مرعبة، بل لأنها صادقة. وربما لهذا تذكرت، كلما عادت إلي، حكاية أخرى من تراثنا العربي والإسلامي لا تقل عنها وضوحا حيث يحكى أن رجلاً ذهب إلى حذاء، حرفي بسيط يعمل بالجلد والإبرة، وطلب منه أن يصنع له حذاء متيناً، ليس لعام أو عقد، بل لمئة عام. مئة عام من المشي، مئة عام من الوقوف، مئة عام من الانتظار. استغرب الحذاء، لكنه أخذ المقاس وبدأ يشق الخيط. وفي تلك اللحظة، في ذلك الوقت الضيق بين أخذ المقاس وأول غرزة، حضر عزرائيل ، ملك الموت، و أُمر بقبض الروح. بعض الروايات تجعل الحذاء يرى المشهد، وبعضها يجعله يعلم بالأمر بعد حين. لكن المغزى واحد المهم أن الحذاء التفت إلى الرجل أو إلى نفسه وقال: "هذا يطلب حذاء لمئة عام، وهو لن يتم يومه". لم يمت الرجل لأنه طلب حذاء طويل العمر، بل مات لأنه ظن أن الأيام صفوف متراصة أمامه، وأن الغد ملك له. لم يكن يعلم أن عزرائيل لا ينتظر انتهاء التفصيل.
وهذه المأساة، كما أراها، ليست بعيدة عنا ولا قديمة. إنها تُعاش اليوم، في هذا الشارع، في هذا البيت، في هذه الغرفة التي أجلس فيها.
ثم هناك حكاية ثالثة عرفتها، عن ذلك الرجل الخائف الذي سمع أن في مملكة بعيدة لا يموت الناس كبقية البشر، فرح إليها هارباً من ظل الموت الذي يلاحقه. فلما وصل، سأل: "كيف تعيشون ولا تموتون؟" قالوا له: "الموت لا يأتي إلينا، بل نحن من يذهب إليه. حين يحين وقت الرحيل، نسمع نداء يأتي من وراء ذلك الجبل الذي تراه هناك، ينحدر إلى الوادي، ثم يصعد الجبل الثاني، ثم ينحدر من جديد بلا عودة. فننطلق إليه طائعين". قال الرجل: إذن سأبقى هنا، وعندما يناديني لن أستجيب. سأصم أذنيّ، سأتمسك بالحياة، ولن أتحرك ولو ناداني إلى أبد الآبدين.
ومرت الأيام. ثم السنين. ثم العقود. وفي يوم من الأيام، رأى أهل المملكة الرجل الغريب ينحدر إلى الوادي، وحيداً، خفيفاً، كأن شيئاً يسحبه من الخلف. صرخوا به: "إلى أين؟ ألم تقرر ألا تستجيب؟" فالتفت إليهم وقال: "لم أنس. صوتكم أسمعه يحثني على الرجوع، لكن هناك آلاف الأصوات الأخرى تناديني من وراء الجبل الثاني. أصوات أعمق من إرادتي، أقدم من خوفي. مكاني هناك، ليس هنا".
وهكذا، وبينما أتأمل هذه الحكايات، أجد أن البشر من حولي يجسدونها دون أن يدركوا. فأرى من يعيش كأنه سيخلد، يكد الساعات، يرهق الروح، يجمع المال على أمل أن "يستمتع به لاحقاً". الغد عنده وهم بعيد، لكن الغد يأتي سريعاً، ويأتي الموت أسرع. فجأة ينتهي الوقت، وتتوقف الحياة، ويسأل نفسه قبل أن يُسأل: "ماذا جنيت؟ ماذا فعلت؟ لماذا انتظرت طويلاً؟" ومنهم من لا يفكر في الموت أبداً، كأن الموت عيب أو هزيمة أو شيء يحدث للآخرين فقط. ومنهم من يفكر فيه طوال الوقت، فيشلّه التفكير ولا يعيش لحظة واحدة.
لكن هناك صنف آخر، أكثر حزناً ربما. رأيتهم بأم عيني. إنهم أولئك الذين يبدأون بتكديس الأشياء. يجمعون، يخزنون، يربطون أنفسهم بالأشياء كأنها الجذور. من البيت وقطعة الأرض مرورا بالملابس و الصابون، والذكريات متحجرة. وهذه الأشياء التي ظنوا أنها تؤمنهم ترسيهم في قاع الخوف. تعلقوا بها كأنها الحياة نفسها، فأصبحوا خدماً لها لا سادتها. يخافون أن يغادروا المنزل يوماً خوفاً على ما فيه، يخافون أن تزورهم العائلة كيلا تُكسر الأطباق، يخافون أن يرتدوا الثياب الجميلة فتتسخ أو تبلى. يظنون أن حراسة الأشياء هو العمر، فيفوتهم العمر وهم يحرسونها.
ثم أراهم يغادرون الحياة شرقاً أو غرباً، نهاراً أو ليلاً، ويتركونها لمن يرثها. لم يمتلكوا شيئاً حقاً، بل استعاروها لدقائق ثم ردّوها باردة.
وأتذكر هنا امرأة امتلكت بيتاً وعقارات، ووهبتها الأرض والجدران، لكنها لم توهب القدرة على العيش فيها. كل شيء عندها كان "مؤجلاً": اليوم الجميل لم يأتِ بعد، الوجبة الشهية لضيوف لم يحضروا، الثياب الأنيقة لمناسبة لم تقع. وكانت تحتفظ بقطع من الصابون صنعتها والدتها من زيت زيتون أرضها. قطع صغيرة عادية، لكنها كانت تحمل روح أمها، أيقونة الحضن الذي رحل. ظلت تلك القطع موجودة على الرف، تراقب الزمن، تجمع الغبار، تشهد على حياة لم تُعاش. ويوم رحلت هي الأخرى، غسلوا جسدها الهامد بقطعة من ذلك الصابون. الصابون الذي كان للأم عاد ليكفّن الابنة في رحلتها الأخيرة. لم يعد هناك من ينتظر، ولا شيء يؤجل. صارت هي وأمها تراباً، وصار الصابون رغوة ذابت في ماء الموت.
ورأيت غيرها ممن راحت تجمع الملابس الجميلة، تكدسها في خزائن كأنها متاحف صغيرة. فستان لمناسبة لم تأتِ، وعباءة ليوم لم يحن، وحذاء لمشوار لم يُخطَط له. تموت صاحبتها وتُلف في كفن أبيض رخيص، وتُفتح الخزانة ليجد الورثة ملابس لم تلمس الجسد الحي قط.
هكذا نحن، نؤجل الحياة كأننا نؤجل الدين. نعتقد أن الفرصة العظيمة قادمة، أن اليوم الحقيقي لم يبدأ بعد، أننا "سنعيش" قريباً، بعد أن نجمع المزيد، بعد أن نرتّب البيت، بعد أن نتقاعد، بعد أن نضع الحذاء المناسب لمئة عام. لكن عزرائيل لا ينتظر انتهاء التفصيل، وراتسي حفار القبور لا يملّ من النقش، والجبل الثاني ينادي بآلاف الأصوات التي لا تُقهر.
ربما ليس الحل أن ننسى الموت، وبنفس الوقت لا أن نراه كل لحظة. ربما الحل أن نتصالح مع فكرة أننا عابرون، وأن نعيش هذا العبور بتفاصيله الصغيرة. أن نرتدي الثوب الجميل اليوم، لا غداً. أن نأكل من الصحفة الطيبة الآن، لا عندما يأتي الضيف الذي لن يأتي. أن نخرج قطعة الصابون المعطرة ونشم رائحة الأم وهي حية، لا بعد أن تموت الابنة. أن نترك الأبواب مفتوحة، والقلوب طرية، والأيدي مبذولة. أن نعترف أخيراً أننا لن نعيش مئة عام، ولا نحتاج حذاء يمشي كل هذه السنين. نحتاج فقط إلى حذاء يأخذنا إلى من نحب، وإلى مكان يليق بقصتنا القصيرة جدا في هذه الحياة وإلى لحظة ننسى فيها أننا سنموت، ونتذكر فقط أننا أحياء.
بعد عقود من قراءتي عن راتسي حفار القبور تخيلت مقابلة معه سُئل بها: "ألا تخاف من عملك؟" فابتسم وقال: "لا. أنا فقط أجهّز البيوت لمن لا يملكون بيوتاً بعد. وأذكر الأحياء أنهم ليسوا بأبدين. فمن عرف أنه سيموت، بدأ يعيش".
وقبل أن أختم، تذكرت مقولة نيكوس كازنتزاكيس التي نُقشت على قبره: "لا أرجو شيئاً، لا أخاف شيئاً، أنا حُر." ربما كان يريد أن يقول إن السؤال الأعمق ليس أي الألمين أشد، بل كيف نتحرر من الحاجة إلى فرج من الأساس، فتصبح الدنيا كلها بين أيدينا، لا ننتظر منها شيئاً، ولا نخاف منها شيئاً. وإذا كان الموت هو الحقيقة الوحيدة اليقينية، فما أجمل أن تكون حريتي في قبوله هي ذاتها حريتي في العيش الآن، في هذه اللحظة، قبل أن يدق إزميل راتسي مرة أخرى.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. صواريخ توماهوك لألمانيا في مهب الريح | في عمق الخبر


.. كلمة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في ختام قمة مجموعة السبع




.. 500 دبابة مصرية تقلق إسرائيل.. ما الذي تخشاه تل أبيب؟ | #ستو


.. احتفالاً بالنصر على السنغال.. إضاءة مبنى -إمباير ستيت- بألوا




.. ماكرون: شددنا على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان