الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
العيد وعقدة البرمودا
محمد وهاب عبود
2026 / 6 / 1مواضيع وابحاث سياسية
يبدو أن السلطة في العراق، قبيل كل مناسبة وأثنائها، تنتصر لرد الفعل على حساب الفهم، وتحوٌل ساحات الاحتفال إلى ميادين رقابة. فقد أعلنت الاجهزة الامنية في محافظة صلاح الدين اعتقال شباب يرتدون الـ"برمودا"، وآخرين بتهمة التحرش، وهذا المشهد ألفناه وبات يتكرر تقريبا منذ سنوات. وبالإمكان القول إن عملية الاعتقال هنا تعمل كمرهم سريع على جرح عميق وضربة لفرض الطاعة، لكنها لا تلملم الأسباب التي أنشأت الجرح. فحين يعلن الأمن عن قلقه من البرمودا/الشورت كما لو أنها وباء، يتبدّى الانزلاق نحو قراءة سطحية للواقع.
التحرش فعل مشين ولا يحتاج إلى حجج كثيرة لإدانته، بيد أنه ظاهرة تتكاثر في بيئة مريضة، فالحديث عن التحرش يجب أن يمر عبر محطات: بنية اجتماعية منهكة، بطالة ممتدة، ضعف التعليم، وفضاءات عامة مهشمة. حين يغيب الفضاء الثقافي والتربوي تصبح السلوكيات الشاذة نتاجاً طبيعياً لفراغ طويل الأمد. أما اعتقال من يرتدون لباساً معيّناً، فلا يحمل طابع العدالة بقدر ما يحمل رمزية عقابية، إذ يستبدل الحوار بالتحقير والتأديب بالقسر والإكراه.
يرتكب الساسة والامنيون خطأً عند تعلقهم الدائم بالأدوات الأمنية لتصحيح أزمات لا تشفيها السجون. فالإجراء البوليسي يملك فعالية آنية، لكنه لا يصنع استقراراً نفسياً ولا يزرع انتماءً. وفي المقابل قد يُنتج جيلاً مشدود الأعصاب معتاداً على المواجهة أو الانزواء، ومتشككاً في مؤسسات يفترض أن تكون راعية لا قبضة مهدِدة. فالمنع الذي يمارس تحت ستار الفضيلة يتحوّل إلى إذلال تُخزن في ذاكرة الأفراد.
الشباب هم طاقة تحتاج إلى فضاء رحب كي لا تُسخر ضد نفسها، ففي بلاد غرقت سنوات طويلة في صراعات متلاحقة، وفي طبقة سياسية يشغلها التحاصص السياسي وتوزيع الوظائف كمغانم، يندر أن تتوافر شبكة ثقافية قادرة على احتواء العطاء. فالمسارح تحصى بأصابع اليد والمتاحف تتهالك والمعارض تكاد تكون ذكرى. من جهة أخرى تنمو المولات كبديل، أسواق تغذي الاستهلاك وتخلق مساحات زائفة من اللقاء الاجتماعي، والنتيجة استبعاد الحياة الثقافية من الفضاء العام حتى تبدو إكسسواراً لا ضرورة.
إن الفن والثقافة يمارسان دوراً تأسيسياً لا يقتصر تأثيرهما على الترفيه، إنما على تشكيل الحس النقدي والقدرة على التعبير، إذ تصنع مدرسة الثقافة أجيالاً قادرة على قراءة العالم والتفاعل معه وتقدم مساحات لاختبار الهوية وتفريغ الطاقات بطرق حضارية، ومع إهمالهما تموت آليات الحوار ويصير الشارع مسرحاً لتفريغ ما لم يجد بداً من أن يخرجه.
إن منطق الحياة يتمثل في أن الشئ الوحيد الثابت فيها هو المتغير، لكن لا تعني هذه العبارة دعوة إلى تغيير وتبدل حاد أو متطرف، إنما تأكيد أن التشخيص وحده لا يكفي، المطلوب تحويل التشخيص إلى بنية ثقافية واجتماعية توسع مجال الحرية دون تفكيك النظام العام. فالدولة التي تميل دائماً إلى قفل الأبواب الأمنية تملك سلطة لكنها تخلف فراغاً أعمق ومجتمعاً لا يثق في إمكاناته ولا في مؤسساته.
الإدانة الصريحة للتحرش ضرورية لكن إدانة الزي مثيرة للدهشة عندما تتحول إلى سبب اعتقال واستصغار. التاريخ يحفظ طرقاً لاحتواء الفعل وترويضه عبر التربية والثقافة، أما ثمن السوط فيصبح مدخلاً لتراكمات مستقبلية ربما تحيل المجتمع إلى جزر منفصلة، شباب معزولون ومؤسسات متضاربة وذوات تحتمي بالصمت.
المسألة ليست مفاضلة بين أمن وحرية، إنها سؤال عن كيفية بناء فضاءات عامة قادرة على امتصاص التصادم وإنتاج معنى. وإذا ما تساءلنا كيف يبدو العراق حين تتعاطى قياداته مع الشباب كأدوات انتخابية لا كأجيال تصنع المستقبل؟ الجواب: قلق أمني وسوق استهلاكي ومشاعر محطمة وغاضبة، ويمكن رصد ذلك دون التعبير عن مجاملات أو انطباعات حالمة، مع التذكير أن القمع يجهز المستقبل لخصام طويل الأمد.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. إيران تهاجم دولا خليجية وتعلن إغلاق مضيق هرمز
.. صفقة كبرى بين ترامب وإيران؟.. هرمز مقابل النووي!
.. الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وتأسيس العلاقات مع العراق والمحيط
.. ما البرتوكول القطري في مراسم تشيعي الشيخ حمد بن خليفة آل ثان
.. رئيس الوزراء اللبناني الأسبق: الأمير الوالد دعم لبنان ماديا