الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


نواة الصمود ومطارق الهدم: أطفال عفرين وأزمة التجهيل اللغوي الممنهج

دارا محمد حصري

2026 / 6 / 2
التربية والتعليم والبحث العلمي


​إن فرض السياسات بقوة السلاح، والعبث بالبنى التحتية للمجتمعات، لا يتوقف أثره عند حدود المعارك العسكرية؛ بل يمتد ليكون معول هدمٍ يضرب عمق الوجود الحضاري للشعوب. وتاريخ الصراعات يُثبت دائماً أن الاستعمار اللغوي أو الثقافي قد يغير "قشرة" المجتمع، أما الجهل وتخبط السياسات التعليمية فهو الذي يُخرّب "النواة" ويقود إلى التلاشي الذاتي.
​في الحالة الكوردية، طالما كان البقاء والصمود مرتبطاً بحيوية الوعي والهوية. لكن عندما تتحول العملية التعليمية إلى حقل تجارب للتجاذبات السياسية والأيديولوجية، يدفع الأطفال الثمن الأكبر من مستقبلهم. وما شهده ويشهده الواقع في منطقة عفرين يشكل نموذجاً صارخاً لأزمة "الاضطراب اللغوي" التي تهدد جيلاً كاملاً بالضياع.
​دروس التاريخ: فرض اللغة لا يفني الوعي ولكن الجهل يفعل
​إذا نظرنا إلى تجارب الشعوب المستضعفة حول العالم، نجد أن فرض لغة أجنبية لم يكن يوماً سبباً في إنهاء وجودها طالما بقي قطار التعليم مستمراً:
​في أفريقيا: فرض الاستعمار الفرنسي والبريطاني لغتيهما على شعوب القارة، لكن مجتمعات مثل الجزائر، السنغال، وغانا، لم تندثر هويتها؛ بل إن عقولاً متعلمة ومثقفة مثل "فرانتز فانون" و"ليوبولد سينغور" استخدمت لغة المستعمر ذاتها كأداة شرسة لتفكيك خطابه، ونيل الاستقلال، وقص حكايتها للعالم برصانة وعلم.
​في الهند وأمريكا اللاتينية: رُبطت مصائر شعوب كاملة باللغتين الإنجليزية والإسبانية، ومع ذلك تحولت هذه اللغات بفعل التعليم والوعي إلى جسور لنقل المعرفة ومقاومة التبعية، ولم تذب الهويات المحلية بل تمايزت وصمدت.
​العبرة هنا واضحة: العقول التي تتعلم وتفكر تجد دائماً طريقاً للنجاة والنهوض، أما الاستسلام للأمية والجهل فهو "الانتحار الداخلي" الذي يفني الشعوب دون حاجة لطلقة رصاص واحدة.
​أرجوحة المناهج وضريبة التقلبات السياسية في عفرين
​عندما فرض حزب العمال الكردستاني (PKK) وأذرعه الإدارية واقعاً تعليمياً معيناً في عفرين، اعتمد على فرض اللغة الكوردية بمناهج غير معترف بها رسمياً أو دولياً، وضمن بيئة افتقرت للاستقرار بعيد المدى. ومع تغير الخارطة العسكرية وزوال تلك السيطرة، وُجدت أجيال متعاقبة من الأطفال أنفسهم وسط فراغ تعليمي مرعب.
​لقد انتقل هؤلاء الطلاب فجأة من نظام تعليمي بلغة لم تُمكّن كفاية، إلى واقع جديد يفرض اللغة العربية كشرط أساسي لمتابعة التعليم والتقدم للامتحانات الرسمية. هذا التحول الفجائي والمليء بالانقطاعات لم يكن مجرد تغيير في الصفوف الدراسية، بل كان صدمة معرفية أدت إلى ما يمكن تسميته بـ "الأمية المزدوجة"؛ حيث بات الطفل عاجزاً عن الإلمام الأكاديمي الصحيح بكلتا اللغتين، ومشتتاً بين لغة درسها لفترة محدودة(ولم تبقى موجودة) ولغة باتت هي الممر الوحيد لمستقبله.
​خطر العزلة والأمية المزدوجة:
​إن عدم تمكين هؤلاء الأطفال من اللغة العربية في الوقت الحالي يمثل تهديداً مباشراً لحضورهم المجتمعي والمهني. ففي الواقع السوري الحالي والمحيط الإقليمي، تظل اللغة العربية هي البوابة القانونية والأكاديمية الوحيدة لدخول الجامعات، ونيل الشهادات المعترف بها، والانخراط في سوق العمل.
​تجاهل هذا الواقع أو الاستسلام له يعني الحكم على آلاف الأطفال بالعزلة، والتسبب غير المباشر في تسربهم من التعليم، وهو ما يلتقي تماماً مع خطط "التجهيل الممنهج" التي تحرم الشعب من عقوله ومفكريه وكوادره المستقبلية، وبالتالي طريق صهره وفنائه يصبح سالكاً.
​إهمال السلطات وعقدة الحل الغائب؛
​المؤسف في المشهد الحالي بعفرين، هو أن السلطات القائمة لا تعير هذا الملف الإنساني والتعليمي الأهمية التي يستحقها. فالملف يُعامل بعقلية الإهمال أو المناكفة السياسية، دون إدراك أننا أمام كارثة بشرية تُقاس بالسنوات الضائعة من عمر الأطفال.
​إن إنقاذ هذا الجيل يتطلب تحركاً فورياً يرتكز على ثلاثة محاور:

​برامج الجسور اللغوية: إطلاق مناهج تعويضية مكثفة وسريعة تساعد الطلاب على الانتقال السلس والمدروس لغوياً، دون إشعارهم بالإحباط الدراسي.
​تحرك منظمات المجتمع المدني: سد الفجوة التي تركها تقاعس السلطات عبر افتتاح مراكز تقوية مجانية ومبادرات أهلية يديرها معلمون غيورون على مصلحة الطلاب.
​تحييد التعليم عن الصراع: يجب أن يفهم الجميع أن حق الطفل في تعليم مستقر وآمن يفوق كل الأجندات السياسية والعسكرية.

​إن الحروب مهما طالت ستنتهي، والخراب العمراني يمكن ترميمه في سنوات؛ لكن خسارة جيل كامل لفرصه في التعليم والتمكين اللغوي هي ندبة عميقة ستلازم المجتمع لعقود.
​ما يحتاجه الكورد اليوم في عفرين وفي كل مكان هو "العلم والتعلم" الحقيقي، ورفض الاستسلام للواقع المفروض. فالعقول الواعية والمتعلمة هي الضمانة الوحيدة لاستعادة الكيان واستمرار الوجود، أما الجهل فهو المطرقة الأولى والسرية لهدم المجتمعات من داخلها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إسرائيل تخترق فوردو.. كوهين يكشف أخطر أسرار الموساد في إيران


.. وزارة الدفاع الليبية: لن نتهاون مع الاعتداءات التي استهدفت ا




.. زلزال كولومبيا.. ارتفاع أعداد الضحايا ونقص في المساعدات والف


.. خارج الصندوق | قاآني يضغط لتأجيل حصر سلاح الفصائل العراقية..




.. خارج الصندوق | ترسانة أسلحة في قبضة الجيش المصري.. إحباط مخط